رحلة الشهيد الصماد.. الحوار الذي سبق الحرب الأولى

البيضاء نت | مقالات 

بقلم / صبري الدرواني

 

كانت السلطة تدرك أنّ كسر المشروع القرآني وإيقاف ترديد الشعار المناهض لـ (أمريكا وإسرائيل) لا يكون بالمنع المباشر فقط، وإنّما بالتجويع والإرهاق؛ فأرادت بنقل الموظفين إلى مناطق بعيدة، طرقٍ وعرة، ومسافات لا تصلها المواصلات؛ أنّ تجعل الموظف يكره المشروع القرآني ويكره السيد حسين الحوثي وما جاء به، لأنه عاد عليه بالعناء والتعب، وأن تجعل أهله يكرهون هذا المشروع لأنه حمل والدهم ما لا طاقة له به.

كان رد صالح الصماد هادئاً، نظر إلى المدرسين الذين أنهكتهم قرارات النقل، وقال لهم بصوت مطمئن تملؤه الثقة بالله: “إنّ الله إذا رأى من عباده صدقاً وتضحية في سبيله، هيأ لهم الأرزاق من حيث لا يحتسبون”.

لم يكتف بالكلمات؛ بل حاول أنّ يرمم ما تصدع في نفوسهم، رفع معنوياتهم، وذكرهم بأنّ المعاناة ليست استثناء في طريق الحق، بل شرطه الأول، وشبه وضع الذي يعيشه المنتمين إلى المشروع القرآني وما يعانونه، بالوضع الذي عاشه النبي (ص) بدايات الدعوة في مكة، حين كان المسلمون قلة مستضعفة، لا تملك إلا إيمانها، حدثهم عن عمار بن ياسر، وما لاقاه من أذى، وكيف كان الصبر يومها هو الطريق الوحيد الذي انتهى بنصر الإسلام وعلوّ كلمة الله.

قال لهم: قد ترون النصر بعيداً بأعينكم، لكنه قريب في ميزان الله، وحتى لو ظننتم أن الطريق طويل، فإن الله يُسارع بالأحداث، ويأتي بالنصر فجأة، حين لا يتوقعه أحد.

في مران، وتحديداً في مدرسة “البخاري” بقرية الذراع، كان المشهد مختلفاً، كان غالبية المدرسين هناك ينتمون إلى المشروع القرآني، يزرعون في عقول الطلاب ثقافة القرآن، ويحذرونهم من خطر الهيمنة الأمريكية والإسرائيلية، وكانوا يصرخون بالشعار المناهض لأمريكا وإسرائيل، ويوزعون الملازم والشعارات، ويؤدون دورهم بهدوء وثبات، باستثناء قلة من المدرسين، ومعهم مدير المدرسة، كانوا أشبه بمخبرين وعيون للسلطة، يراقبون وينقلون.

وفي صباح ثقيل، فوجئت القرية بزيارة مدير مكتب التربية ومدير أمن المديرية.

وقفا أمام المدرسين، وارتفعت نبرة التهديد في صوتهما: “اتركوا حسين بدرالدين.. واتركوا الشعار، وإلا فالعقاب..!”.

تقدم حسين، متحدثاً باسم زملائه، وقال بهدوء وثبات لا يخلو من التحدي: نحن لا نفعل أكثر من تعليم الطلاب ثقافة القرآن، وتعريفهم بأعداء الإسلام الذين ذكرهم الله في كتابه.

هل تريدون منا أن نترك القرآن.. حتى ترضى أمريكا؟

لم يجد التهديد طريقه إلى قلوبهم.

وبعد أيام، صدر القرار الرئاسي: نقل جماعي لعدد كبير من المدرسين المنتمين إلى المشروع القرآني، إلى محافظات بعيدة عن بيوتهم وأهاليهم.

في صنعاء، كانت الضغوط الأمريكية تتصاعد.

السفير “ادموند هول” يترقب ويضغط، والرئيس علي عبدالله صالح يبحث عن وسيلة ترضي أمريكا دون أن تشعل الداخل.

قال له أحد مستشاريه: يا فندم، أرى أنّ أفضل طريقة لإيقاف حسين بدرالدين الحوثي هي الحوار.. إقناع المغرر بهم عبر العلماء.

نظر الرئيس إليه بازدراء، ثم قال ببرود: ممكن نجرب.

أمسك الهاتف: “اشتي حمود الهتار”.

بعد دقائق، كان حمود الهتار في صالة الاستقبال.

دخل الرئيس، حيّاه، ثم قال مباشرة:

–  الأمريكان مستائين جدا من شعار هذا حسين الحوثي… قالوا إنه يحرض عليهم، واحنا ما نشتي نخرب علاقتنا بأكبر دولة في العالم.

أجابه الهتار:

–  هذا عمل غير قانوني، ويضر بالعلاقات الدولية… والمؤمن ليس بلعانًا ولا طعانًا.

ثم أضاف: رأيي نشكل لجنة من العلماء، ويكون بينها من علماء الزيدية، نتحاور مع المغرر بهم من قبل حسين الحوثي في السجن، ونقنعهم بالحجة، وعالم زيدي يرد على حسين الحوثي؟

وقف الرئيس وصفق بيديه إعجاباً: “أحسنت، علماء الزيدية يردوا على حسين الحوثي”.

وقف الرئيس، وأخذ سماعة الهاتف وقال لمكتبه:

–  شكلوا لجنة برئاسة القاضي حمود الهتار.

في اليوم التالي، تشكّلت اللجنة من علماء السلطة، وبعض علماء أُجبروا على المشاركة تحت الضغط والتهديد.

توجهوا إلى سجون الأمن السياسي، حيث يُحتجز “المكبرون”

في الصباح، فتحت الزنازين.

نادى الشاوش السجناء للخروج إلى صالة كبيرة، تتوسطها طاولة وعدة كراس.

دخل السجناء مرفوعي الرأس، معنوياتهم عالية، وثباتهم كالجبل

بدأت اللجنة بالإشادة بتدينهم، ثم قالت:

–  من الدين أنّ تسمعوا علماء آخرين غير حسين الحوثي.

–  وإنّ أردتم الجهاد، نأخذكم إلى فلسطين أو العراق.

رد أحد السجناء بهدوء:

–  إنّ كانت المسألة جدالًا، فالله أعلم بما تعملون.

–  وإنّ كنتم تبحثون عن الحقيقة؛ فقيادتنا هي السيد حسين الحوثي.. اذهبوا إليه وأقنعوه، ونحن نستجيب له.

–  أما فلسطين والعراق؛ فنقول لكم ما قال السيد حسين الحوثي: “افتحوا المعسكرات.. ونحن نعبر عبركم”.

أخذ أحد العلماء الميكرفون وسألهم:

–  من يدفعكم لهذه الأعمال؟

فكان الجواب واضحاً:

القرآن.. القرآن هو من دفعنا وحركنا.

وفي تلك اللحظة، قام المتحدث باسم المكبرين وقال:

–  أريد أن أسألكم كعلماء، ما هو الذنب الذي اقترفناه حتى نسجن في الأمن السياسي؟

–  بماذا خالفنا الدستور اليمني؟

فأجابه القاضي حمود الهتار:

–  أحدثتم شغباً في الجامع الكبير وعدد من المساجد.

ابتسم السجين وقال:

–  الشغب كان ضربنا بالهراوات، والسحل، والقسوة التي قام بها جنودكم دون أي حق.

–  ذنبنا الوحيد أننا قلنا: الله أكبر، ولعنا أعداء الله أمريكا وإسرائيل.

امتد الحوار أربع ساعات بلا نتيجة.

وعند خروج لجنة العلماء، دخل العميد يحيى العمري، رافعاً حذاءه، وقال ساخراً:

“والله إنّ حذائي أفضل منهم – يقصد لجنة العلماء- علماء وما قدروا يقنعوا شوية جهال”.

وفي تلك الأيام، كان الرئيس علي عبدالله صالح يستعد للسفر إلى أمريكا، لحضور قمة الدول الثمان، ولقاء الرئيس “بوش”.

أما في صعدة، كانت الأرض تتهيأ للمعركة القادمة بصمت:

توزيع سلاح، تحديد مواقع، وتجهيزات لا تخطئها العين.

كانت ملامح الحرب الأولى تتشكل.. حرب لم تبدأ بعد، لكنها كانت قد حسمت في النوايا.