رمضان… مدرسة لصناعة التقوى والقوة والوعي
البيضاء نت | مقالات
بقلم / عبد الحكيم عامر
يأتي شهر رمضان المبارك كل عام ليعيد ترتيب أولويات الإنسان، ويمنحه فرصة نادرة لمراجعة الذات وإعادة بناء العلاقة مع الله ومع الواقع، فهو محطة مفصلية لإعادة صياغة الفرد والأمة على أسس من التقوى والقوة والوعي.
رمضان في جوهره مشروع بناء متكامل؛ بناءٌ للروح عبر الصيام والقيام، وبناءٌ للعقل عبر التدبر والتفكر، وبناءٌ للإرادة عبر الصبر والانضباط، وإذا كان كثيرون يختزلون الصيام في كونه امتناعاً عن الطعام والشراب، فإن حقيقته أعمق من ذلك بكثير؛ إنه مدرسة عملية لصناعة التقوى وترسيخ الإرادة وتعزيز السيطرة على الشهوات، بحيث يصبح الإنسان أكثر قدرة على إدارة نفسه ومواقفه وخياراته.
التقوى حالة وعي دائم تستشعر رقابة الله في السر والعلن، إنها الحصانة الداخلية التي تحمي الفرد من الانزلاق، وتحفظ المجتمع من التفكك، وتؤسس لموقف أخلاقي واضح في مواجهة التحديات، وفي زمن تتكاثر فيه الفتن وتشتد فيه الضغوط السياسية والفكرية، تصبح التقوى صمام أمان يحفظ البوصلة من الانحراف.
ومن هنا، فإن رمضان يمثل فرصة سنوية لإعادة تصحيح المسار، وتجديد العهد مع القيم، وبناء الإنسان على أساس إيماني متين، فالصائم الذي يتعلم ضبط شهوته ساعات طويلة، قادر على ضبط مواقفه أمام المغريات والضغوط، وقادر على أن يتحول من متلقٍ للأحداث إلى فاعلٍ فيها.
إن من أعظم ما يميز شهر رمضان ارتباطه بالقرآن الكريم؛ فهو الشهر الذي أُنزل فيه الكتاب هدىً للناس، غير أن الارتباط المطلوب لا يقتصر على التلاوة المجردة، بل يمتد إلى التدبر والفهم والعمل، فالقرآن ليس نصاً للتلاوة فقط، بل منهج حياة شامل، يضبط المفاهيم ويحدد المواقف، ويكشف طبيعة الصراعات التي تعيشها الأمة.
إن أحد أبرز أسباب حالة الضعف التي تعاني منها الأمة اليوم هو غياب الفهم العميق للرسالة القرآنية، والاكتفاء بالممارسات الشكلية دون استحضار مضامينها العملية، وحين يتحول القرآن إلى مرجعية حقيقية في التفكير والسلوك، تتغير الرؤية، ويتجدد الوعي، وتصبح المواقف أكثر وضوحاً وثباتاً.
تحتاج الأمة إلى استعادة البعد العملي للعبادات، بحيث تنعكس آثارها على الواقع الاجتماعي والسياسي، فالصلاة التي تنهى عن الفحشاء والمنكر، والصيام الذي يورث التقوى، والزكاة التي تعزز التكافل، ليست واجبات معزولة عن الحياة، بل أدوات إصلاح وبناء.
رمضان فرصة لتعزيز المناعة الفكرية والأخلاقية، وإعادة الاعتبار للمبادئ الإسلامية الأصيلة؛ كالعدل، والكرامة، والحرية، والمسؤولية، وهو شهر يُعيد للإنسان حسّ الرقابة الذاتية، ويوقظ في داخله روح المبادرة والعطاء، ويعمّق الشعور بالمسؤولية تجاه قضايا أمته.
يجب أن يكون شهر رمضان شهراً للإنجازات والانتصارات، لأن الروح فيه تكون أكثر صفاءً، والعزيمة أكثر حضوراً، ومن هنا، فإنه يجب تحويل الشهر الفضيل إلى موسم للعمل الجاد، ومراجعة الذات، وتعزيز التماسك المجتمعي، هو مسؤولية جماعية.
إن التحديات الراهنة التي تواجه العالم الإسلامي سياسياً وفكرياً واقتصادياً تتطلب وعياً عميقاً ومسؤولية مشتركة، والتغيير الحقيقي لا يبدأ من الشعارات الكبرى، بل من بناء الإنسان وإصلاح النفس، فإذا صلح الفرد، صلح المجتمع، وإذا استقام الضمير، استقامت المواقف.
ويبقى رمضان مدرسة مفتوحة لكل من أراد أن يتعلم كيف يكون أقوى بإيمانه، وأوعى بواقعه، وأصلب في مواقفه إنه موسم صناعة الإنسان الذي تصنع به الأمم نهضتها، وتستعيد به دورها ورسالتها.