بين الإيمان والواقع: قراءة في المحاضرة الرمضانية الأولى للسيد القائد
البيضاء نت | مقالات
بقلم / فهد شاكر أبوراس
في مستهل درسه الرمضاني الأول للعام 1447هـ، أطل السيد القائد عبدالملك بدرالدين الحوثي (حفظه الله) على الأُمَّــة برؤية جمعت بين عمق الإيمان وواقعية التشخيص؛ حَيثُ جعل من شهر رمضان المبارك محطة مفصلية لإعادة ترتيب البُوصلة الداخلية للمسلم، ليس على المستوى الفردي فحسب، بل على مستوى الأُمَّــة جمعاء والتي تعيش حالة من الشتات والوهن.
ما يلفت في محاضرة السيد القائد هو ذلك الإحساس العالي بالمسؤولية الذي يدفعه لاستثمار هذه المحطة الإيمانية لصياغة خطاب نهضوي شامل، يبدأ من تصحيح العلاقة مع الله وينتهي بإصلاح واقع الأُمَّــة السياسي والاجتماعي.
إنه يقدم رمضان ليس كمُجَـرّد طقس موسمي، بل كفرصة تاريخية للانعتاق من التبعية الذليلة للأعداء، وإعادة بناء الذات على أسس القرآن الكريم؛ وهذا يعكس حرصًا عميقًا على مصير الأُمَّــة في الدنيا عبر تحريرها من الهيمنة الخارجية، وفي الآخرة عبر نيل رضوان الله وتقواه.
التقوى كأدَاة تغيير وحصن حضاري
يبرز في الطرح المحوري للسيد القائد (حفظه الله) هو ذلك الربط العضوي بين الفريضة الدينية والواقع المعاش؛ حَيثُ لا يكتفي بالوعظ التقليدي، بل يحوِّل المفاهيم إلى أدوات تغيير.
فحديثه عن “التقوى” كمقصد للصيام يتجاوز البعد الفردي ليشمل كونها العنوان العملي الذي غاب عن الأُمَّــة فأورثها الضعف والتشتت.
وهنا يتجلى الإبداع في تحليل الداء ووصف الدواء؛ إذ يشخص الخلل في العلاقة مع أوامر الله كسبب رئيسي للأزمات، ثم يقدم القرآن كمنهاج حياة قادر على مواجهة “الحرب الشيطانية الناعمة” التي تستهدف العقول والمفاهيم.
وهذا الاستحضار للقرآن كأدَاة مواجهة حضارية يعكس نظرة ثاقبة لا تتعامل مع النص الديني كنصوص جامدة، بل كقوة دافعة للتغيير ومقاومة التيارات المضللة، خَاصَّة في زمن طغت فيه التقنيات الحديثة والإعلام الموجّه لصرف الناس عن هذا الخير العظيم.
وحدة المنهج: من الزكاء الروحي إلى الاستنفار الدائم
ولعل أبرز ما يميز هذه المحاضرة الافتتاحية هو ذلك الانتقال السلس من الحديث عن الزكاء الروحي إلى الدعوة للجهاد والتكافل، مما يؤكّـد وحدة المنهج الإسلامي الذي لا يفصل بين العبادة والسلوك الاجتماعي والسياسي.
فالسيد القائد هنا يبني جسورًا بين تهيئة النفس عبر الدعاء والذكر والتخلص من الرواسب السلبية، وبين الانخراط في قضايا الأُمَّــة الكبرى كالجهاد والاعتصام بحبل الله.
إنه يرسم خريطة طريق متكاملة للشهر الفضيل تبدأ من أعماق القلب لتنتهي بفعل الخيرات وصلة الأرحام والأمر بالمعروف.
وهذا التكامل في الطرح يدل على نظرة شمولية للإنسان المسلم الذي يجب أن يكون في حالة استنفار دائم للارتقاء، ليس فقط ليكون فردًا صالحًا، بل ليكون عنصرًا فاعلًا في إصلاح مجتمعه وأمته.
القصص القرآني ومشروع النهوض
ويضفي وعد السيد القائد بمواصلة الدروس من واقع القصص القرآني بعدًا استراتيجيًّا على هذه المحاضرة؛ إذ يؤكّـد أن هذه الرؤية ليست مُجَـرّد كلمات عابرة، بل هي مشروع متكامل يمتد طوال الشهر لمعالجة قضايا المرحلة.
وهذا الإصرار على تقديم خطاب هادف يلبي احتياجات الأُمَّــة ويخرجها من حالة التيه يدل على قيادة واعية تدرك خطورة المرحلة وتتحمل أمانة الكلمة.
إن حرصه على توجيه الأنظار منذ اليوم الأول إلى ضرورة الاستعداد لليلة القدر والعمل الصالح يعكس رغبة صادقة في ألا يمر هذا الشهر الكريم مرور الكرام على الأُمَّــة، بل أن يكون نقطة تحول حقيقية في مسارها نحو الفلاح والصلاح.
وهذا يجعل من هذه المحاضرة الافتتاحية وثيقة إيمانية ونهضوية تجمع بين نور الوحي وواقع الأُمَّــة، وتضع الجميع أمام مسؤولياتهم الدينية والدنيوية على حَــدٍّ سواء.