علّمني موسى!!
البيضاء نت | مقالات
بقلم / نبيل بن جبل
نبيُّ الله موسى عليه السلام، قبل أن يذهبَ ويغيبَ عن قومه، وعدهم بالعودة بعد ثلاثين ليلة، وكان هذا التحديد وحيًا: ﴿وَوَاعَدْنَا مُوسَىٰ ثَلَاثِينَ لَيْلَةً﴾، ومع ذلك أتمّها الله بعشر، فعاد بعد أربعين ليلة، قال تعالى: ﴿فَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ فَتَمَّ مِيقَاتُ رَبِّهِ أربعينَ لَيْلَةً﴾.
لمّا تأخرت عودةُ موسى، سقط الذين يعبُدون الله لأجل موسى –أي لأجل النصر– وسقط اليائسون والمتردِّدون والخائفون والمتراجعون، فعبدوا العجلَ.
وحين رجع موسى على قومٍ قد يئسوا من عودته، قال كلمةً عظيمةً، ويا لها من كلمة: ﴿أَفَطَالَ عَلَيْكُمُ الْعَهْدُ﴾؟!
عشر ليالٍ فقط كانت طويلةً على من يعبُدون اللهَ لغرض النصر والتخلُّص من الظلم والطغيان، لا لغرض القيام بالمسؤولية أمام الله وأمام الناس، ولا لغرض الثبات على الحق وإعلاء كلمة الله في الأرض.
أوَّلًا: ممّا يُستفاد من ذلك:
1– التسليم المطلق للقيادة الربّانية العظيمة، والثبات على الحق، وعدم التعلُّق بالمواعيد، وعدم الاستعجال في أي أمر؛ فقد يؤخِّر اللهُ النصرَ لحكمة.
2– أن تأخير النصر هو اختبار آخرُ للفرز والتمحيص، والتمييز بين الخبيث والطيب، وبين المؤمنين الصادقين في انتمائهم الإيماني، والكاذبين في دعوى الإيمان، كما قال تعالى:
﴿مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَىٰ مَا أَنتُمْ عَلَيْهِ حَتَّىٰ يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ﴾.
3– أن الهدف هو العملُ في سبيل الله لأجل غاية الثبات على الحَق، ونُصرة الدين والمستضعفين من عِباد الله، وإعلاء كلمة الله.
4– أن من صفات النصر: البغتة.
ثانيًا: ممّا يُستفاد من موقف موسى بعد عودته
الحسم وعدم المداراة؛ لأن الحُجّـَةَ قد أُقيمت على عواتقهم، والشواهد على الحق قد تبيّنت بما فيه الكفاية.
ففي موقف موسى عليه السلام مع قومِه الذين ضلّوا واتبعوا السامري وعبدوا العجلَ، بعد أن شهدوا بأنفسهم معجزةَ إبطال سحر سحَرة فرعون، ومعجزة هلاك فرعون وجيشه الجبّار، وقوته الضاربة، وإمْكَاناته التي لا تُقارَن بما في يدِ موسى وقومه، وبعد نجاتهم من بطش فرعون وظلمه وطغيانه وإجرامه وجبروته؛ نجد أن نبيَّ الله موسى عليه السلام تعامَلَ مع الأمر بمنتهى الحزم، فأحرق العجلَ وطرد السامري.
هذه المواقف تُثبِتُ أنه -وإن كان صاحبُ الحق من أولي العزم من الرسل، فإنه يحتاج إلى القوة- فكثير من الناس لا يخضعون إلا لها، وهلاكُهم –نعم هلاكهم هم– أن لا يكونَ مع الحق القوة اللازمة.
كما يتضح أَيْـضًا أن هناك فرقًا بين أن نجادلَ الناس بالتي هي أحسن، وبين أن نأخُذَ بشدة على أيدي من يدعون إلى الفساد، والفُرقة، والشتات، وإثارة المشاكل والفتن، ونخر جسد الأُمَّــة الواحدة من الداخل، وإدخَال الأفكار المتطرفة والثقافات الخاطئة والمغلوطة.
فهؤلاء لا يُسمَحُ لهم ببث أفكارهم الخبيثة، ولا بأنشطتهم المعادية التي تفُتُّ في عَضُدِ الأُمَّــة وتُقوِّضُ لُحمتها في المجتمع المؤمن، تحت أية دعوى، سواءٌ أكانت حرية الرأي والتعبير، أَو حرية المعتقد، أَو غيرها من الذرائع الواهية.
يجب ألا يُترك لهم المجالُ ليستمروا أَو ينشطوا أَو ينشروا فسادَهم وضلالَهم، مهما كانت المبرّرات، وكيفما كانت مكانتُهم السياسية أَو الاجتماعية.