هندسة التجويع في اليمن: الاقتصاد في مرمى العدوان
البيضاء نت | مقالات
بقلم / رهيب التبعي
لم يكن الفقر في اليمن يومًا صدفة، بل كان مشروعًا سعوديًّا إماراتيًّا بامتيَاز، خُطط له بعناية ونُفذ عبر أدوات متعددة شملت حصارًا خانقًا، ونهبًا منظمًا للثروات، وتعطيلًا متعمدًا لعجلة الاقتصاد، وتدميرًا ممنهجًا للبنية التحتية؛ بهَدفِ إخضاع شعب عُرف عبر تاريخه بالكرامة ورفض الوصاية.
ما جرى ويجري ليس فشلًا داخليًّا كما يروجون، بل سياسة تجويع متعمدة قادتها السعوديّة والإمارات ضمن عدوان مفتوح، ظن أصحابه أن الجوع سيكسر الإرادَة.
لكن اليمن، رغم الألم، أثبت أن الشعوبَ لا تُهزَم بالحصار، وأن الكرامة أقوى من كُـلّ مشاريع الإفقار.
الفقر الذي أرادوه سلاحًا تحوّل إلى شاهد إدانة، والصبر الذي راهنوا على نفاده صار وقودًا للصمود والانتصار.
لقد جرى تحويل الفقر من ظاهرة اجتماعية يمكن معالجتها ضمن سياسات تنموية طبيعية، إلى أدَاة ضغط تُستخدم بوعي كامل لكسر إرادَة المجتمع، عبر حصار خانق شل الحركة الاقتصادية، وقطع شرايين الحياة اليومية، وحوّل الغذاء والدواء والوقود إلى وسائل ابتزاز سياسي.
لم يكن هذا الحصار نتيجة جانبية للحرب، بل كان في صميمها وركيزة أَسَاسية من ركائزها، استُخدم لتجفيف الموارد، ورفع كلفة المعيشة، ودفع المجتمع نحو حافة الانهيار، في انتهاك صارخ لكل القوانين الدولية والمبادئ الإنسانية.
ولم يتوقف هذا المشروعُ عند حدود الحصار، بل تجاوزه إلى نهب الثروات الوطنية ومنع الشعب من الاستفادة منها، وعلى رأسها النفط والغاز.
فبدلًا من أن تشكّل هذه الموارد رافعة للاقتصاد ودعامة للاستقرار الاجتماعي، جرى تعطيلها أَو الاستحواذ عليها خارج إطار الدولة، لتتحول من حق عام إلى غنيمة سياسية تُدار لمصلحة أطراف العدوان، بينما يُترك المواطن اليمني يواجه الفقر وانعدام الدخل.
إن حرمانَ شعب كامل من موارده الطبيعية ليس إخفاقا اقتصاديًّا، بل جريمة منظمة تُدار بعقليةٍ استعمارية حديثة، تستبدل الاحتلال المباشر بالتحكم الاقتصادي.
كما أن تدميرَ البنية التحتية لم يكن عملًا عسكريًّا عشوائيًّا أَو أضرارًا جانبية للحرب، بل ضربة مقصودة لقدرة المجتمع على الإنتاج والاكتفاء الذاتي.
استهدافُ المصانع والمزارع والطرق والأسواق يعني عمليًّا توسيع دائرة الفقر، وإغلاق أية نافذة محتملة للتعافي الاقتصادي، وإبقاء المجتمع في حالة اعتماد دائم على المساعدات المشروطة.
هذه المعادلة تكشف بوضوح أن الهدف لم يكن فقط إضعاف الدولة، بل تفكيك المجتمع اقتصاديًّا، وتحويل الفقر إلى حالة بنيوية مزمنة.
وفي مقابل هذه السياسات، عملت أدوات إعلامية مرتبطة بالعدوان على ترويج خطاب مضلل، يحمل الداخل اليمني مسؤولية ما جرى، ويصور الفقر على أنه نتيجة سوء إدارة أَو خلل محلي، متجاهلة عمدًا أثر الحصار والنهب والتدمير.
غير أن الوقائع الميدانية، والمؤشرات الاقتصادية، وشهادات المنظمات الدولية، تؤكّـد أن ما يحدث هو تجويع متعمد لا أزمة عابرة، وأن تحميل الضحية مسؤولية الجريمة ليس سوى محاولة لتبييض صورة الجناة.
ورغم قسوة هذا المشروع، أخفق في تحقيق هدفه الأهم وهو كسر إرادَة الشعب.
فقد أثبت اليمنيون أن الوعيَ بطبيعة المعركة يحول المعاناة إلى عامل صمود، وأن الفقر حين يُفهم بوصفه أدَاة عدوان يفقد قدرته على الإخضاع.
لقد تحول الألم إلى دافع للمواجهة، والصبر إلى سلاح معنوي، أسقط الرهان على الجوع كوسيلة لإخضاع الشعوب.
إن الفقر في اليمن ليس لغزًا اقتصاديًّا ولا نتيجة حتمية لظروف داخلية، بل جريمة سياسية مكتملة الأركان، صُممت لإخضاع شعب حر عبر الحصار والنهب والتدمير.
غير أن التجربة أثبتت أن الشعوب التي تدرك حقيقة ما يُحاك ضدها قادرة على الصمود، بل وعلى إفشال أخطر المشاريع مهما طال الزمن.
وستبقى الحقيقة ثابتة لا تتغير: لم يكن الفقر في اليمن يومًا صدفة، بل سياسة ممنهجة فشلت في تحقيق غاياتها، وبقيت شاهدا على عدالة القضية، ووصمة عار في جبين من صنعوها.