كيف تعمل الحرب الناعمة في رمضان؟
البيضاء نت | مقالات
بقلم / محمد عبد المؤمن الشامي
في شهرٍ يُفترض أن يكون موسمًا لتزكية النفس، ولمّ الشمل، وتعزيز الروابط الروحية والاجتماعية، تتحوّل الشاشات إلى ساحة مزدحمة بمئات الساعات من الدراما والبرامج والإعلانات، هنا، لا يكون التأثير مباشرًا أو صادمًا، بل ناعمًا ومتدرجًا، يتسلل عبر القصة والمشهد والموسيقى والصورة، ومن هذا الباب تحديدًا، تعمل الحرب الناعمة: بصمتٍ، وذكاء، وتراكمٍ طويل الأمد.
الحرب الناعمة لا تستخدم القوة الخشنة، ولا تفرض خطابًا بالقسر، بل تعتمد على الجاذبية والإقناع غير المباشر. في رمضان، حيث تجتمع الأسرة يوميًا أمام شاشة واحدة، يصبح التأثير مضاعفًا، فالمسلسل لا يُشاهد مرة عابرة، بل يُتابَع ثلاثين ليلة متتالية، ما يمنح الرسائل المضمَرة فرصة ذهبية للترسخ في الوعي. التكرار هنا ليس تفصيلاً تقنيًا، بل أداة تأثير عميقة.
أول آليات هذه الحرب هي إعادة تعريف الطبيعي. حين تُعرض مشاهد الفساد الإداري، أو التفكك الأسري، أو السلوكيات المنحرفة بشكل متكرر، دون إدانة واضحة أو معالجة متوازنة، تتحول من ظواهر مرفوضة إلى وقائع اعتيادية. ومع الوقت، يضعف الحس النقدي لدى المشاهد، ويصبح أكثر قابلية لتقبّل ما كان يرفضه سابقًا، إن أخطر أشكال التأثير ليست في فرض فكرة جديدة، بل في جعل غير المقبول مألوفًا.
الآلية الثانية هي صناعة النموذج البديل للقدوة. ففي بعض الأعمال، يُقدَّم “الناجح” بوصفه من يحقق المكاسب السريعة، ولو بطرق ملتوية، ويُصوَّر الملتزم أو المستقيم كشخص ساذج أو ضعيف، هذه الصورة المتكررة تعيد تشكيل معايير النجاح في وعي الشباب، وتربط التفوق بالمظهر والمال والنفوذ، لا بالعلم والنزاهة والعمل الجاد. وهنا تتحول الدراما من حكاية للتسلية إلى مصنع لإنتاج الصور الذهنية.
أما الآلية الثالثة فتتمثل في الإغراق في الاستهلاك. فموسم رمضان هو ذروة الإعلان التجاري. تتداخل المشاهد الدرامية مع رسائل تسويقية مكثفة، تروّج لأنماط حياة معينة، وتربط السعادة بالاقتناء، والمكانة الاجتماعية بالمنتج المعروض، في هذا السياق، تتراجع الروحانية أمام ثقافة السوق، ويصبح الشهر الفضيل مناسبة استهلاكية بامتياز، بدل أن يكون محطة مراجعة داخلية.
كذلك تعمل الحرب الناعمة عبر تسطيح القضايا الكبرى. بدلاً من تقديم معالجة عميقة لمشكلات المجتمع، يُعاد تدوير صراعات سطحية وعلاقات متوترة، تُلهي المشاهد عن التفكير في همومه الحقيقية، ومع تراكم هذا النمط، ينشأ جيل أكثر انشغالًا بالتفاصيل الصغيرة، وأقل اهتمامًا بالشأن العام. وهنا يتحقق أحد أهداف التأثير الناعم: إضعاف الحس الجمعي، وتعزيز الفردية المنعزلة.
ولا يعني هذا أن كل الدراما الرمضانية أداة هدم، فالفن يمكن أن يكون قوة بناء عظيمة إذا حمل رسالة صادقة، وعالج قضايا الناس بعمق ومسؤولية، لكن المشكلة تظهر حين يغيب المشروع الثقافي الواضح، ويصبح منطق السوق وحده هو الحاكم. عندها، تتقدّم الإثارة على القيمة، ويعلو الصخب على المعنى.
إن أخطر ما في الحرب الناعمة أنها لا تُشعر الجمهور بأنه في معركة. فالمشاهد يضحك ويبكي ويتعاطف، دون أن ينتبه إلى أن وعيه يُعاد تشكيله تدريجيًا، ومع مرور المواسم، تتغير الحساسية الأخلاقية، وتتبدل الأولويات، ويصبح التأثير جزءًا من البنية الذهنية اليومية.
المواجهة لا تكون بالرفض المطلق ولا بإغلاق الشاشات، بل ببناء وعي نقدي قادر على الفرز والتمييز. حين يشاهد الإنسان بعينٍ فاحصة، ويطرح الأسئلة بدل الاكتفاء بالتلقي، تتحول الشاشة من أداة تأثير أحادي إلى مساحة نقاش وتفكير. كما أن دعم الإنتاج الدرامي المسؤول، الذي يعكس قيم المجتمع وقضاياه بصدق، هو خط دفاع أساسي في هذه المعركة.
رمضان ليس موسم درامي، وإنما هو موسم إعادة ترتيب الداخل، وإذا كانت الحرب الناعمة تعمل عبر التراكم والصورة، فإن الوعي يعمل عبر الفهم والمراجعة. وبين الشاشة والعقل، تبقى الكلمة الأخيرة لمن يمتلك القدرة على الاختيار، ففي زمن تتسارع فيه الرسائل وتتكاثر المنصات، تظل معركة الوعي هي الأهم، لأنها المعركة التي تحدد شكل المجتمع غدًا، وتحفظ هويته من الذوبان البطيء تحت أضواء الدراما وكثافة المشهد.