سعة الصدر وتكامل الأدوار”.. دروس قيادية من وحي دعاء موسى عليه السلام
البيضاء نت | تقرير محسن علي
استعرض سماحة السيد القائد عبدالملك بدرالدين الحوثي ” يحفظه الله” في محاضراته الرمضانية الخامسة والعشرون 1447هـجوانب مضيئة من دعاء نبي الله موسى عليه السلام، مستخلصًا منها دروسًا قيادية وإيمانية بالغة الأهمية تتجاوز الزمان والمكان, وخلالها كشف عن أبعاد أساسية في بناء الشخصية القيادية الفاعلة، مؤكدا على ضرورة سعة الصدر، وتيسير الأمور بالاستعانة الإلهية، وفصاحة البيان في إقامة الحجة، وصولًا إلى حتمية تكامل الأدوار والتعاون الصادق في المهام الكبرى, كما حذرت المحاضرة من آفات الأنانية والاستحواذ التي قد تعصف بالجهود وتعيق تحقيق الأهداف السامية، مقدمة بذلك خارطة طريق للمسؤولين والعاملين في سبيل الحق.
سعة الصدر.. ركيزة القيادة الحكيمة
بدأ السيد القائد تحليله بالوقوف عند دعاء موسى عليه السلام: {قَالَ رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي}[طه:25]. وأكد على أن سعة الصدر هي أولى متطلبات المهام الكبرى والمسؤوليات الجسيمة. فالقائد بحاجة ماسة إلى قدرة هائلة على التحمل النفسي لمواجهة التحديات والضغوط، سواء من الأعداء أو من داخل الصفوف, وحذر من أن التصرف وفق الحالة النفسية الضيقة أو الانفعال قد يؤدي إلى الظلم، ويتجاوز حالة الرشد والصواب، ويؤثر سلبًا على المكانة الأخلاقية والعلاقات الإنسانية.
تيسير الأمر.. الاستعانة الإلهية في مواجهة الصعاب
انتقل السيد القائد إلى دعاء موسى: {وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي}[طه:26]، مبينًا أن اليسر في المهام الصعبة والمعقدة لا يتحقق إلا بالالتجاء إلى الله سبحانه وتعالى ورعايته. فالله هو القادر على تيسير ما تعسر، وتهيئة الانفراجات في كل المضائق والشدائد, وأشار إلى أن هذا الالتجاء يمنح الإنسان الأمل والرجاء، وهو ضروري في كل الأحوال، خاصة في المسؤوليات الكبيرة كالمسؤوليات الجهادية وخدمة عباد الله.
فصاحة البيان.. قوة الحجة والتأثير في عصر الإعلام
توقف السيد القائد عند طلب موسى عليه السلام: {وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسَانِي (27) يَفْقَهُوا قَوْلِي}[طه:27-28]. وشدد على الأهمية البالغة للفصاحة والبلاغة في التبليغ، والتبيين، والإقناع، والتأثير، وإقامة الحجة, وأكد أن هذا الجانب يكتسب أهمية قصوى في العصر الحالي، الذي يشهد صراعًا إعلاميًا ودعائيًا كبيرًا, فامتلاك القدرة البيانية وتوظيفها في خدمة الحق، وإزهاق الباطل، ودحض الافتراءات، هو الميدان الأول للصراع, وحذر في المقابل من توظيف هذه القدرة في خدمة الباطل أو الظلم، مشيرًا إلى المسؤولية الأخلاقية والإيمانية الكبيرة المترتبة على الكلمة في عصر وسائل التواصل الاجتماعي.
تكامل الأدوار.. ضرورة المعاونة الصادقة ونبذ الأنانية
تعد نقطة تكامل الأدوار من أبرز محاور المحاضرة، حيث تناول السيد القائد دعاء موسى عليه السلام: {وَاجْعَلْ لِي وَزِيرًا مِنْ أَهْلِي (29) هَارُونَ أَخِي (30) اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي (31) وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي (32) كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيرًا (33) وَنَذْكُرَكَ كَثِيرًا}[طه:29-34]. وأوضح أن طلب موسى لوزير ومعين كهارون عليه السلام، الذي كان أفصح منه لسانًا، يعكس تجردًا تامًا من الأنانية والحسابات الشخصية، وحرصًا على خدمة الرسالة والقضية, وهذا يؤكد أن من أهم مؤهلات المسؤوليات العظيمة هو التحرر من تضخم الذات، وأن يكون الهم منصبًا نحو خدمة المهمة.
كما استشهد السيد القائد بـ “حديث المنزلة” المشهور بين الأمة الإسلامية، والذي قال فيه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لأمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام: ((أَنتَ مِنِّي بِمَنزِلَةِ هَارُونَ مِنْ مُوسَى، إِلَّا أَنَّهُ لَا نَبِيَّ بَعْدِي))، مبرزًا الدور العظيم الذي قام به الإمام علي في معاونة ومناصرة الرسول الأكرم، ومؤكدًا على مبدأ تكامل الأدوار في المهام الرسالية.
وحذر السيد القائد من آفتين خطيرتين:
الأنانية والاستحواذ: حيث يسعى البعض لإبراز نفسه وحده كصاحب إنجاز، ويرفض مشاركة الآخرين، مما يضر بالعمل ويؤدي إلى الخيانة للمسؤولية.
الاستحواذ على المهام بما يفوق القدرة: قد يكون البعض مخلصًا وحريصًا، لكنه يستحوذ على كل التفاصيل والمهام بما يفوق طاقته وإمكاناته، ظنًا منه أن ذلك في مصلحة العمل، لكن النتيجة تكون التقصير والخلل في الأداء، لعدم إدراكه أن المهام الجماعية تتطلب التعاون وتكامل الأدوار.
الهدف الأسمى للمهام الرسالية.. التسبيح والذكر
ختم السيد القائد هذا المحور بالوقوف عند قول موسى عليه السلام: {كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيرًا (33) وَنَذْكُرَكَ كَثِيرًا}[طه:33-34]. موضحًا أن هذا التعبير يكشف عن الأهداف الأساسية والسامية للمهام الرسالية والمسؤوليات، وهي شد الناس إلى الله سبحانه وتعالى، وإشهادهم على عظمته وتنزيهه وتقديسه, فكل الأعمال، سواء كانت عبادية أو إيمانية عملية، يجب أن يكون مؤداها ربط الإنسان بالله في مسيرة حياته.