يوم القدس العالمي.. حتى لا يبقى الجرح نازفا

البيضاء نت | تقرير وديع العبسي

منذ مساره الثوري التحرري من هيمنة الطغاة، ومن قيود الخضوع والارتهان، كانت القضية حاضرة في اهتمامات الإمام الخميني” رضوان الله عليه”، قضية الصدح بالحق، والانتصار لمظلومية المستضعفين، وإعلاء رايتهم، انطلاقاً من إيران وحتى فلسطين المحتلة. وكشف تشبُّع وجدانه بالقضية الفلسطينية في وقت مبكر من ظهوره كرمز ثوري للأمة الإيرانية، عن صدقية تحركه وحمله لأهداف أخلاقية تجاوزت إطاره الجغرافي إلى البقاع الإسلامية، وقد تصدرت القضية الفلسطينية حينها العناوين التي عمل عليها، باعتبار أن هناك أمة ترزح تحت سيطرة محتل غاصب مع ظهوره عاشت البشرية أشكالاً من المجازر البشعة.

في تلك المرحلة وصف الإمام الخميني العدو الإسرائيلي بـ”الغدة السرطانية”. لم يكن للحسابات السياسية لديه أي مساحة، وهو الذي كان في طور إنهاء نظام الشاه الأمريكي المسيطر على رقاب الإيرانيين.

ولم يضيّق من حركة جهاده ليصير فقط لشعبه، وإنما امتد في ذلك إلى ما يُعنى بكل الإسلام، كحالة تعبيرية عن مواجهة الظلم الواقع على المسلمين أينما كانوا.

بعد أشهر من الثورة

ولما كانت نظرته للأمر على هذا النحو، لم يكن ليقبل ما يعيشه الفلسطينيون من تنكيل الصهاينة، ومصادرة لحقوقهم على أرضهم، والأمر كذلك ينطبق على المقدسات الإسلامية في فلسطين، وقد كان العدو يحاول تطبيع الواقع مع ادعاءاته “الخرافية” في الأرض المباركة، التي تؤكد كل المواثيق بكونها أوقافاً إسلامية.

وفي فبراير 1979، انتهى عهد الشاه وقطفت إيران ثمرة الثورة بالاستقلال، وبعد أشهر قليلة (في أغسطس من نفس العام)، وفيما البلاد لا تزال تتهيأ للتطبيع مع التحول الجديد كجمهورية، واصل الإمام الخميني مسار منافحة الظلم والاستكبار، وتأطير العدو الإسرائيلي كمحتل، وتأكيد حق الفلسطينيين بالاستقلال بوطنهم، وحق المسلمين في المقدسات الإسلامية من البقاء تحت سيطرة الصهاينة بنزعتهم الإجرامية السالبة للأرض والمقدرات.

في هذا التاريخ (السابع عشر من أغسطس 1979) أعلن الإمام الخميني، يوم الجمعة الأخير من شهر رمضان يوماً عالمياً للقدس. لم ينتظر مشورة أنظمة المنطقة التي كانت قد دخلت مرحلة التعايش مع المرض الصهيوني، وقد مرّ عليها حينها عقود من الزمن لم تتخذ خلالها أي مسار استراتيجي يضمن استعادة الأرض المغتصبة والحقوق المسلوبة على أيدي الصهاينة.

قطع يد هذا الغاصب الصهيوني

كشف الإمام الخميني -بإعلانه الجريء- غيرته على الإسلام والمسلمين، وأن جهاده لم يخضع لحدود جغرافية أو اتجاه عقائدي، وإنما ينطلق من أسس وثوابت ومبادئ دينية إسلامية، تأبى الظلم وترفض سياسة فرض الواقع الاحتلالي للأراضي العربية والإسلامية والمقدسات. يومها دعا “كافة المسلمين في جميع أرجاء العالم والدول الإسلامية إلى أن يتحدوا من أجل قطع يد هذا الغاصب ومساعديه”.

يصف شهيد القرآن السيد حسين بدر الدين الحوثي” رضوان الله عليه” الإمامَ الخميني بأنه الشخص الذي عُرِف بجدّيته في مواجهة أعداء الإسلام كافةً، في مواجهة أمريكا، وعدّها [الشيطان الأكبر]، واعتبرها وراء كل ما يلحق بالمسلمين من ذلٍ وإهانةٍ، وغير ذلك من الشرور.

حاول الإمام الخميني “رضوان الله عليه” استثارة المسلمين لأن يهبوا من أجل القدس، فهي أولى القبلتين، وثالث الحرمين الشريفين، ومسرى رسول الله محمد (صلى الله عليه وآله وسلم)، وأن تكون هذه الأمة “بمستوى المواجهة الحضارية لأعدائها، في جعل الأمة قادرة على أن تقف على أقدامها مستقلة لا يهيمن عليها أحد من أعدائها، لا أمريكا، ولا بريطانيا، ولا إسرائيل، ولا غيرها” حسب الشهيد القائد.

الرافض للهيمنة الأمريكية

الظهور المبكر للمسار الجهادي الذي يناهض الغزاة والمحتلين، وبصيغة صريحة؛ الرافض للهيمنة الأمريكية على المنطقة والاحتلال الإسرائيلي لفلسطين، مع المجاهرة باستئصال “الغدة السرطانية”، كان كافياً لأن تقع الثورة الوليدة تحت مجهر الاستهداف الأمريكي الصهيوني الإمبريالي بالمؤامرات ومحاولات الوأد.

وأسفرت المؤامرة والخذلان -فعلاً- عن حصار واستهداف متعدد الأشكال للجمهورية الإسلامية، بدأ في نفس العام 1979 عقب الثورة، وعقب ما تكشّف من توجهات للإمام الخميني. وفي عام 1984 أدرج أعداء الإسلام الجمهورية الإسلامية على قائمة ما أسموها “الدول الراعية للإرهاب”، وفرض قيود على الأسلحة. وخلال 1995 – 1996، فرضت إدارة الرئيس الأمريكي كلينتون حظراً تجارياً ونفطياً شاملاً، ثم ما يعرف بعقوبات “داماتو”. وخلال 2000 – 2015، خضعت لعقوبات مشددة “دولية” (مجلس الأمن) وأمريكية وأوروبية بسبب الملف النووي. وفي 2018 والمستمر حتى اليوم 2026، مارس ترامب ضدها ما أسماه بـ”الضغط الأقصى”، وأعاد فرض العقوبات بعد انسحابه من الاتفاق النووي. بهذا الشكل ظلت الجمهورية الإسلامية تدفع ثمن موقفها الإسلامي.

الطريق إلى القدس

على نفس الحساسية تجاه ما يمس الدين، جاء الصوت الأول لشهيد القرآن السيد حسين بدر الدين الحوثي -في مساره التوعوي الفكري الثقافي- صادحاً، بمنافحة التواجد الصهيوني محتلاً للأراضي العربية والمقدسات الإسلامية. فأطلق أول محاضراته بتاريخ 28 رمضان 1422هـ، الموافق 13 ديسمبر 2001م تحت عنوان “يوم القدس العالمي”. حينها لم يكن الواقع العربي والإسلامي شهد أي تغيير لجهة الانتصار لقضايا الأمة واستعادة ما استولى عليه الصهاينة ولا يزالون.

منذ أكثر من خمسة وعشرين عاماً تنبه شهيد القرآن إلى المخاطر التي تهدد القدس وفلسطين كقضية مركزية، مستشعراً المسؤولية لمواجهة هذه التحديات، وكان سلاح الفكر هو الممكن إلى حد ما آنذاك، فدعا إليه، وعلى هذا جاءت رؤيته ثاقبة وطويلة الأمد، وليست لمرحلة من مراحل الصراع مع الكيان. ركّز في رؤيته على إعادة إحياء وجدان الشعوب الإسلامية تجاه القضية الفلسطينية حتى لا يطمرها النسيان؛ بسبب توجهات الأنظمة المنكفئة على همومها وإطارها الجغرافي.

وقال: “لتعرف الشعوب نفسها أنها تستطيع من خلال إحياء هذه القضية في مشاعرها، من خلال البحث عن الرؤى الصحيحة التي تحل هذه المشكلة، وترفع عن كاهلها هذه الطامة التي تعاني منها؛ لأن الشعوبَ هي نفسها المتضررة. أما الحكومات، أما الزعماء فهم غير متضررين، هم غير مكترثين، لا يهمهم ما يرَونه بأُمّ أعينهم من المعاناة في مختلف بقاع الدنيا لجميع المسلمين”.

القضاء على الأوهام

أرشد شهيد القرآن إلى الطريق التي يمكن من خلالها القضاء على الأوهام التي بداخل الشعوب المتأمِّلة من حكوماتها أن تواجِهَ “إسرائيل”، ودلّها إلى طريق التحرك دون الانتظار إلى الحكومات، وحث هذه الشعوب على إحياء “يوم القدس العالمي” في آخر جمعة من شهر رمضان كُلّ عام، والذي دعا إليه الإمام الخميني. وقال شهيد القرآن السيد حسين بدرالدين الحوثي رِضْوَانُ اللهِ عَلَيْهِ: “ثم ما هو الحل بالنسبة للشعوب؟ إن ظلت الشعوبُ تنتظر من دولها أن تقومَ بشيء ما في مواجهة إسرائيل فإنَّ هذا لن يتحقق، لن يحصل إطلاقاً؛ لهذا اتَّجه هو (الإمام الخميني) إلى اقتراح [يوم القدس العالمي]، وأن يُحييَه المسلمون جميعاً في مختلف أقطار الدنيا، وخاصة البلاد العربية”.

شهيد القرآن السيد حسين بدر الدين الحوثي أوضح أيضاً السبب في ظهور العرب كعاجزين عن القيام بأي دور يذكر أمام الكيان الغاصب، في أن الإعلام الموالي للحكومات تناول القضية الفلسطينية بدور سلبي وعاجز تماماً عن إظهار أية جرائم ترتكب ضد المرابطين في فلسطين، وقال: “برز العرب أمام اليهود مستسلمين عاجزين، استطاع اليهود، ليس فقط أن يقهرونا عسكرياً، بل أن يقهرونا اقتصادياً وثقافياً وإعلامياً، وفي كُلّ المجالات. قهروا هذه الأُمَّة وهم مجموعة بسيطة، مجموعة بسيطة، استطاعوا أن يقهروا هذه الأُمَّة، استطاعوا حتى أن يصنعوا ثقافتنا، أن يصنعوا حتى الرأي العام داخل هذه البلدان العربية، استطاعوا أن يجعلونا نسكُتَ عن كلمات هي مؤثرة عليهم، فتسكت عنها كُلّ وسائلنا الإعلامية، استطاعوا بأساليب رهيبة جداً”.

وأكّد شهيد القرآن السيد حسين بدرالدين الحوثي” رضوان الله عليه” ، أن الإعلامَ العربيَّ الحكوميَّ لم يخلق أي رأي عالمي أو محلي يُعادِي الكيانَ الغاصِبَ، “وأقول وأؤكد إنها غبيةٌ فعلاً وعاجزة فعلاً عن أن تواجه اليهود حتى في المجال الإعلامي وحده، كم يملك العرب من محطات التلفزيون والقنوات الفضائية؟ هل استطاعوا أن يخلقوا رأياً عالمياً مضاداً لإسرائيل؟ لا”.