المعادلة اليمنية.. فرصة استراتيجية للتحرر الشامل

البيضاء نت | تقرير علي الدرواني

 

 

أعلنت القوات المسلحة اليمنية اليوم السبت عن تنفيذ أولى عملياتها العسكرية المباشرة ضد أهداف تابعة للعدو الإسرائيلي جنوب فلسطين المحتلة، وذلك باستخدام دفعة من الصواريخ الباليستية المتطورة، وتأتي هذه الخطوة لتمثل تحولاً مهما في مسار التصعيد الإقليمي الذي تشهده المنطقة منذ بدء العدوان الأمريكي الإسرائيلي على إيران أواخر فبراير الماضي، حيث أكد المتحدث باسم القوات المسلحة اليمنية العميد يحيى سريع أن العملية استهدفت مواقع عسكرية حساسة في منطقة أم الرشراش (إيلات)، حققت أهدافها بنجاح بفضل الله، وأدت إلى تفعيل صافرات الإنذار في تلك المناطق.

مستندات ومنطلقات المشاركة

بحسب الخطابات الأخيرة للسيد عبدالملك الحوثي يحفظه الله، فإن هذه المشاركة تستند إلى محددات دينية وإنسانية وسياسية واضحة ترفض الحياد في المواجهة القائمة، وتتبنى استراتيجية وحدة الساحات دفاعاً عن فلسطين ولبنان والعراق وإيران، فالمعركة هي معركة الأمة لاستعادة كرامتها واستقلالها من الهيمنة الغربية، ومن هنا جاء تأكيده المستمر بأن اليمن رغم جراحه وحصاره لا يمكنه الوقوف موقف المتفرج، فالحياد في معركة الأمة يعني إسهاماً في تمكين العدو.

 ينطلق السيد عبدالملك الحوثي من تصريحات المسؤولين الأمريكيين والاسرائيليين (مثل ترامب ونتياهو وغيرهما) حول تغيير وجه الشرق الأوسط ليفكك شفرة هذا المصطلح.. فالتغيير المقصود يربط بين العمليات العسكرية وبين الحلم الصهيوني القديم المتجدد بإقامة ما تسمى “إسرائيل الكبرى”، هذا الفهم يحول الدفاع عن فلسطين أو لبنان من تضامن إلى دفاع عن النفس وحماية للمستقبل العربي الإسلامي ككل من مخطط خطير يستهدف الجميع.

فالتحرك اليمني اليوم يهدف لكسر هذا المشروع الذي يسعى لإقامة “إسرائيل الكبرى” والتعامل مع العرب والمسلمين وفق نظرة دونية عنصرية، ما يجعل من الانخراط في هذه المواجهة ضرورة وجودية لحماية الأوطان والدين والكرامة الإنسانية من خطر صهيوني لا يستثني أحدا.

الفعل يسبق القول والقدوة في المقدمة

منذ بدء العدوان على إيران كان السيد عبدالملك الحوثي يركز على دعوة الامة للتحرك واقتناص الفرصة لهزيمة محور الشيطان الأمريكي، وإنقاذ الأمة من العنجهية المستمرة في غزة والتكالب على الامة. هذه الدعوة للانخراط في هذه المواجهة تستمد قوتها من المصداقية الميدانية، حيث لم يكتف اليمن بالتنظير السياسي، بل تحرك فعليا في الميدان بضربات صاروخية ليقدم نموذجا عمليا لكسر الهيمنة الصهيونية، وإزاحة حاجز الخوف. هذا التحرك المسبق يجعل الخطاب اليمني نداءً حقيقياً لاستنهاض الشعوب، مستنداً إلى فعل عسكري ملموس يثبت أن المواجهة ممكنة وواجبة لحماية مستقبل المنطقة.

مسارات التصعيد والشروط اليمنية

وفي قراءة لمسارات التصعيد القادمة، يرى خبراء عسكريون أن العملية الصاروخية الأولى باتجاه فلسطين المحتلة قد تكون مجرد تمهيد لخيارات أكثر إيلاماً، حيث تلوح صنعاء -من خلال بيان القوات المسلحة الليلة الماضية- بورقة البحر الأحمر وباب المندب، فإذا كانت المرحلة الأولى من المشاركة نحو أهداف عسكرية في جنوب فلسطين المحتلة، فإن المرحلة التالية يمكن ان يتم الانتقال فيها من القصف الصاروخي البعيد إلى تفعيل السيطرة على الممرات المائية الحيوية، ما يعني نقل المعركة إلى مستوى معادلة جديدة: الأمن البحري مقابل وقف العدوان، كشرط لا تراجع عنه.

ولعل الأبرز في هذا التحرك هو الربط الذي وضعه بيان القوات المسلحة بين جبهات المواجهة والحقوق الأصلية لشعوب أمتنا، حيث وضع وقف العمليات العسكرية رهناً بوقف العدوان على المنطقة، وكذلك أصبح مشروطا بالرفع الكامل والشامل للحصار عن اليمن، فلا يمكن للعالم أن ينعم باستقرار الملاحة في البحر الأحمر وباب المندب بينما يرزح الشعب اليمني تحت وطأة الخنق الاقتصادي ومصادرة حقوقه الأساسية.

ختاماً، يضع الموقف اليمني المجتمع الدولي أمام حقيقة حتمية: إن زمن الحلول الجزئية قد ولى، وأن أمن الممرات المائية والمصالح الدولية بات مرتبطاً بشكل غير قابل للتجزئة بوقف المشاريع التوسعية لإقامة “إسرائيل الكبرى”. إنها دعوة للحل الشامل الذي يبدأ بإنهاء سياسة التجويع والاستعباد والاستباحة من صنعاء إلى غزة، مؤكدة أن اليمن بات اليوم رقماً صعباً في صياغة مستقبل المنطقة، حاملاً لواء الكرامة في معركة لا تقبل القسمة على اثنين.

فرصة للتحرر والانعتاق التاريخي

إن التحولات الميدانية الراهنة تمنح الدول العربية والإسلامية فرصة تاريخية لا تتكرر لكسر أغلال التبعية والتخلص من عقود الهيمنة الغربية التي فُرضت بقوة السلاح والابتزاز الاقتصادي. إن صمود اليمن ومبادراته العسكرية النوعية يثبتان أن استعادة الإرادة السياسية ممكنة، وأن بإمكان شعوب المنطقة إعادة صياغة علاقاتها مع الغرب على أسس جديدة تتأسس على الندية والمصالح المشتركة، بعيداً عن منطق الاستغلال أو الرضوخ لإملاءات القوى الكبرى التي حاولت جعل وجود الكيان الإسرائيلي قدراً محتوماً ومركزاً للقرار الإقليمي. إنها لحظة استنهاض شاملة تضع الأمة أمام فرصة التحرر من الوصاية، لأنها السبيل الوحيد لبناء مستقبل يحفظ الحقوق، ويصون الكرامة، ويزيل أغلال التبعية المذلة لواشنطن.