المراكز الصيفية.. منارات البصيرة في زمن الفتنة

البيضاء نت | مقالات 

بقلم / حسين بن محمد المهدي

 

​{شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُولُوا الْعِلْمِ قائِمًا بِالْقِسْطِ لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ}

​العلمُ حياةُ الأُمَّــة وروحُ نهضتها، والجهلُ قيدُها وحرمانُها.

هو عونُ الفتى على نوائبِ الدهر، وسلاحهُ في وجهِ عواصفِ الفتن.

وفي الحديثِ الشريف: “من سلك طريقًا يلتمس فيه عِلمًا سهّل الله له طريقًا إلى الجنة”، وكفى بالعلم شرفًا أن الله تعالى قرن شهادة العلماء بشهادته وشهادة ملائكته، وقال عز وجل: {قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ إِنَّما يَتَذَكَّرُ أُولُوا الْأَلْبابِ}.

 

​مرافئ الوعي في لُججِ التحديات

​إنَّ المراكز الصيفية اليوم ليست مُجَـرّد محاضن لقضاء أوقات الفراغ، إنها “حصونٌ إيمانية” ومرافئ آمنة ترسو إليها عقول الشباب في زمنٍ تلاطمت فيه أمواج “الحرب الناعمة” التي تستهدف الهُوية وتمييع القيم.

إنها النبراس الذي يضيء عتمة الجهل، والمدرسة التي تبني “الإنسان” قبل “البنيان”، لتصنع جيلًا لا يُستلبُ لبه، ولا تزيفُ بصيرته.

​ ففضل التحصيل والسيادة على الأرض إنما تكون بالعلم:

​العِلمُ يَرفَعُ أقوامًا فهم نجبا… ويزرعُ المجدَ في أرواحهم حقبا

وهو الضياءُ إذَا ما الليلُ أظلمَنا… وهو الرجاءُ إذَا ما اليأسُ قد غَلَبا

فانهلْ من النورِ واغنم صفوَ موردِهِ… فالعلمُ بحرٌ لمن بالجدِّ قد ركبا

 

​مأدبة القرآن.. زادُ الأرواح وعمادُ الأحكام

​إن جوهرَ هذه المراكز هو العودةُ إلى “الثقل الأكبر”، فالقرآن الكريم هو مصدر تشريع الأُمَّــة ودستورها.

ولقد كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يحمل الناس على القرآن حملًا، ويفاضل بينهم بمنزلتهم منه.

وفي الحديث عنه صلوات الله عليه وعلى آله: “إن هذا القرآن مأدبةُ الله فاقبلوا مأدبته، إنه حبل الله والنور المبين والشفاء النافع”.

​فمن هذه المراكز، يخرج الشاب متسلحًا برؤية قرآنية ثاقبة، يدرك من خلالها فقه الواقع، ويميز بين الحق والباطل، مدركًا أن ما وصل إليه المسلمون من ضعفٍ ورقةٍ في الدين لم يكن إلا؛ بسَببِ هجران هذا المنبع الصافي والعزوف عن تطبيق أحكامه.

 

​المزاوجة بين الدين والدنيا (عمارة الأرض)

​لقد أدرك القائمون على هذه الحواضن، تحتَ قيادة قائد المسيرة القرآنية، أن قوةَ الأُمَّــة تكمن في توازن جناحيها؛ لذا توافد الشباب لينهلوا علوم الدين التي تقوي صلتهم بالخالق، ومعارف الدنيا التي تمكّنهم من الأرض.

فبين آيات الذكر الحكيم، تجد دروسًا في الوعي القانوني والقضائي، ومبادئ الزراعة والإبداع العلمي، ومهارات اللغة والبيان.

​إننا نعدُّ جيلًا يرفضُ أن يكون “تبعًا”، بل يطمح أن يكون “قائدًا”، مصداقًا لقولنا:

​فاحذرْ جمودًا يُميتُ الفكرَ في مَهَلٍ… فالجهلُ يكسي ثيابَ الذل والوصبا

من عاشَ بالجهلِ أمسى في الورى ذنَبًا… كأنَّهُ في عيونِ الناسِ ما حُسِبا

فعِشْ بعلمِكَ رأسًا شامخًا أسدًا… واصنعْ لنفسِكَ ذِكرًا طيّبًا عَجِبا

 

​ثمارٌ تجنيها الأُمَّــة (شهادة في الأخلاق)

​إن الفوائد تتجاوز حدود التعلم النظري؛ فهي مدرسةٌ لتهذيب السلوك، وتعزيز روح الإخاء والتعاون.

يتعلم فيها الطالب أن العلم وسيلة لخدمة المستضعفين، وأن التواضع شيمة العلماء.

وبذلك نخرج للعالم جيلًا لا يحمل شهاداتٍ في الأوراق فحسب، بل يحمل “شهادةً في الأخلاق” وصدقًا في التعامل.

​وكما روي عن الإمام علي عليه السلام: “بالعلم حياة القلوب من الخطايا، ونور الأبصار من العمى..

وبالعلم تفهم الأحكام ويفصل به بين الحلال والحرام”.

 

​ختام القول: نداء المسؤولية

​يا معشر العلماء والمتعلمين، إن المبادرة لهذه المراكز هي زكاةُ علمكم، ويا شبابَ اليمن الطامح، إنَّ إقبالَكم هو رسالة للعالم بأن هذا الشعب قد قرّر امتلاك قراره بامتلاك عقول أبنائه.

​يا معشرَ العلمِ هُبّوا نحوَ مكرُمةٍ… تُحيي العقولَ، وتُجري في الدُّنا الأدَبا

وأحيوا مراكزَه الغرّاءَ واعتنقوا… دربَ المعارفِ، تبنوا المجدَ مُكتسِبا

​فبالعلم تُبنى الأمم، وبالوعي تُصان المجتمعات.

{يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقانًا وَيُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ}.

 

* عضو رابطة علماء اليمن