إسلام آباد وهرمز.. قراءة في “خريف الأساطيل” وسقوط الأقنعة والقطبية الواحدة

البيضاء نت | مقالات 

بقلم / مبارك حزام العسالي

​بينما كان العالم يترقب بحذر ما ستسفر عنه تداعيات جولة المفاوضات في إسلام آباد، تشير المعطيات الراهنة إلى أننا أمام تصعيد مبيَّت كما بدأ العدوان غدرًا وبمآلات أكبر على المعتدي؛ ما يفتح الباب لتوقعات بحدوث “ارتطام عنيف” بواقع لم تعد واشنطن تملك فيه كُـلّ مفاتيح التحكم كما كان عليه الحال في عقود خلت.

​فخ إسلام آباد وعُقدة “الثقة” المفقودة

​يبدو أن “رجل الصفقات” ترامب يحاول تسويق ما جرى في العاصمة الباكستانية على أنه نجاحٌ جزئي أَو خطوة تكتيكية، بأُسلُـوب يذكرنا بمقولة “العملية نجحت لكن المريض مات”.

فجوهر الصراع المتمثل في الملف النووي وأمن المضايق الاستراتيجية ظل عصيًّا على الحلول الترقيعية.

​وفي المقابل، جاءت تصريحات الوفد الإيراني حول “انعدام الثقة” لتعزز الاعتقاد بأن الثقة في عالم السياسة الدولية ليست “منحة” تُستجدى، بل هي نتاج التزام بعهود مزقتها واشنطن مرارًا.

وبينما يحاول البعض تبرير الانبطاح تحت مسمى “العقلانية”، أثبت الواقع أن التمسك بالثوابت السيادية هو الذي يحدّد شكل التوازنات الجديدة، بعيدًا عن سياسة الإملاءات التي يبدو أنها بدأت تفقد بريقها.

​بيان “سنتكوم”.. هل هي القرصنة بختم رسمي؟

أين “حراس القانون الدولي” من قرصنة ترامب؟

حين كانت صنعاء تمنع السفن من التوجّـه إلى موانئ الاحتلال الإسرائيلي انتصارا لمظلومية غزة وإيقافا لمذابح الأطفال، رأينا الأمم المتحدة ومجلس الأمن ينتفضون في ليلة وضحاها، ووزعوا تهم “القرصنة” يمينًا وشمالًا، وصدرت البيانات المندّدة بتهديد الملاحة الدولية.

واليوم،​لم يكد يجف حبر المفاوضات حتى سارعت “سنتكوم” (القيادة المركزية الأمريكية) بإصدار بيانها الأخير معلنةً حصارًا بحريًّا على الموانئ الإيرانية.

هذا البيان يراه مراقبون بمثابة “شهادة وفاة” لما يسمى “القانون الدولي” وقواعد الملاحة البحرية.

​المفارقة الصارخة هنا “كما أسلفنا” تكمن في أن واشنطن، التي ضجت بالحديث عن “القرصنة” وتهديد التجارة العالمية في البحر الأحمر وباب المندب، تمارس اليوم ما يشبه “البلطجة البحرية” علانية تحت مسمى الحصار.

ومن المتوقع أن تضع هذه الازدواجية مجلس الأمن والأمم المتحدة في موقف حرج، يكشف مدى ارتهان “الشرعية الدولية” للمزاج السياسي في البيت الأبيض، مما قد يدفع دولًا أُخرى للتحلل من التزاماتها الدولية بالمثل.

أسطول “الأشباح” وفرص كسر “أقفال” الورق

​فيما يراهن ترامب على “قناته 16” وأبراج قيادته لفرض حصاره، تشير التقديرات إلى أن “ناقلات الظل” وظهور عالم متعدد الأقطاب سيعقدان المهمة إلى أقصى حَــدّ.

من المرجح أن “التنين الصيني” لن يطلب إذنًا من البيت الأبيض ليمارس سيادته التجارية، خَاصَّة وأن بكين تعتبر أمن الطاقة خطًا أحمر لا يقبل القسمة على التهديدات الأمريكية.

​إن أسطول “الظل” الذي يتقن فن التمويه، وتغيير الهُويات، والنقل في عرض البحر، قد يحول هذا الحصار إلى مطاردة “أشباح” في ممرات مائية ضيقة ومعقدة جغرافيًّا.

وهذا ما يعزز الاعتقاد بأن الجغرافيا السياسية اليوم لم تعد تخضع كليًّا للرادارات الأمريكية، بل لإرادَة المصالح المتقاطعة للقوى الكبرى.

لعل النقطة الأكثر إثارة للجدل في هذا الحصار المزعوم هي “الواقع الجغرافي” للتموضع الأمريكي.

ففي الوقت الذي تتحدث فيه واشنطن عن إغلاق الموانئ، تشير التقديرات الميدانية إلى أن البوارج الأمريكية لا تجرؤ على الاقتراب من مضيق هرمز، بل تبتعد عنه بمسافات أمان لا تقل عن 1200 كيلومتر.

​هذا التراجع القسري يعكس اعترافا أمريكيًّا ضمنيًّا بدقة صواريخ وقدرات محور المقاومة التي جعلت من “المياه القريبة” منطقة محرمة على الأساطيل التقليدية.

ومن هنا، يُطرح التساؤل الجوهري: كيف يمكن لأسطول يخشى الاقتراب من مسرح العمليات بمسافة تزيد عن ألف كيلومتر أن يفرض حصارًا “ملموسًا” على حركة ملاحة يومية معقدة؟ هذا البعد الجغرافي يحول التهديد الأمريكي من “إجراء عسكري” إلى “استعراض عن بُعد” يفتقر لأدوات التنفيذ الحقيقية.

​”فجوة النموذج” وساعة الصفر المتوقَّعة

​يرى محللون استراتيجيون أن ما نعيشُه اليومَ هو “فجوة نموذج” عسكري كامل؛ فالحصون البحرية العائمة التي تُكلف المليارات قد تجد نفسها فجأة في مواجهة مسيّرات رخيصة وعقول ميدانية ذكية تعرف كيف تكسر التفوق التقني بأقل التكاليف.

ترامب، الذي استنجد بالعالم سابقًا لفتح ممر ملاحي وفشل، يعود اليوم بتهديد “الإغلاق” والحصار، وهو تناقض استراتيجي قد يؤدي إلى نتائج عكسية، حَيثُ يُتوقع أن يرتد أثر هذا الحصار على أسواق الطاقة العالمية، ويزيد من عزلة واشنطن بدلًا من خنق خصومها.

​وحدة المضايق.. الرد الموازي

​من المتوقع أن يمتدَّ أثرُ هذا التصعيد إلى ما وراء مضيق هرمز؛ فالتجارب السابقة تشير إلى أن أية محاولة لخنق التجارة في الخليج قد تُقابل بضغوط موازية في ممرات مائية أُخرى، وعلى رأسها باب المندب.

هذا الربط الجيوسياسي يجعل من مقامرة ترامب مغامرة “صفرية”، حَيثُ لن يقتصر الضرر على طرف دون آخر، بل سيمتد ليشمل حلفاء واشنطن أنفسهم الذين يعتمدون على استقرار هذه الممرات.

​إذن..

​يُعتقد أن ما حدث في الساعات الأخيرة ليس مُجَـرّد تصعيد عسكري عابر، فقد يكون مؤشرًا تاريخيًّا على “تآكل” رواية الهيمنة القطبية الواحدة.

ومن المتوقع أنه في حال ارتطمت أوهام “سنتكوم” بصخرة الثبات الميداني في المنطقة، فإن العالم سيدرك أن “القفل” الذي حاول ترامب وضعه على الموانئ الإقليمية، قد يتحول إلى مسمار في نعش النظام العالمي القديم.

​فالتاريخ غالبًا لا يكتبُه من يملك الأساطيل العابرة للمحيطات فحسب، إنما من يملك إرادَة القرار، وذكاء الميدان، والسيادة الحقيقية في أرضه وبحره.