أعلنت أمريكا وإسرائيل العدوان والحرب ضد إيران، في ظل مفاوضات سياسية وحراك دبلوماسي وهدنة قائمة، في انتهاك صارخ لكل القيم والمبادئ الإنسانية والأعراف المجتمعية، من منطق الغطرسة والاستكبار الفرعوني، ظنا منهم أن نهاية تلك الحرب بأيديهم كما بدأوها، لكن الواقع أثبت عكس ذلك، فقد وقفت العنجهية الأمريكية والغطرسة الإسرائيلية، عاجزة عن التحكم بمسار الحرب وتداعياتها، ولم تكن تهديدات ترامب، ولا انتصاراته الإعلامية المزعومة، ولا تصريحاته الغبية المجنونة، ولا تناقضاته الفجة الصلفة، كافية لإرهاب قادة محور الجهاد والمقاومة، أو تخويف قواعدهم الشعبية، وإرغامهم على القبول بالاستسلام المذل على شروطه، تفاديا للسقوط في جحيمه المزعوم، بل يمكن القول إن جحيم ترامب، قد انفتحت أبوابه عليه لابتلاعه، خاصة وأن الهدن الزائفة، التي ما انفك يعلنها من وقت لآخر، للهروب من دفع فاتورة عدوانه وإجرامه، بعد هزائمه المخزية المتوالية، لم تعد مقنعة لقوى المحور، أو كافية لإقناعها بالرضى من الغنيمة بالإياب، وإيثار السلامة الوهمية الزائفة، لأنها في نظر قادة الجهاد والمقاومة، لا تعدو كونها خيانة لدماء الشهداء وتضحياتهم، التي يعد النصر أقل أثمانها، وما سوى ذلك فهو خيانة وتفريط.
كما أن الانتهاك المتكرر للهدن، من قبل قوى العدوان الأمريكي الإسرائيلي، أفقد تلك الهدن قيمتها الوظيفية، وهدم كل مستويات الثقة في التزام الطرف المعتدي، وفي الوقت نفسه أحرج الوسطاء، وأسقط مقاماتهم وقيمة أدوارهم، حيث حوَّلهم الأمريكي والإسرائيلي، إلى بيادق على رقعة لعبته الإجرامية، ورهانات محترقة على مسرح الجنون الترامبي، وأصبحت كل هدنة عبارة عن فسحة زمنية، لمزيد من الإرهاب والإجرام والتوحش الصهيوأمريكي، وأصبح كل وسيط مجرد أداة، غير قابلة للاستخدام أكثر من مرة، ولذلك سرعان ما تساقط الوسطاء الإقليميون، ولم يعد بإمكانهم ممارسة دور الوساطة مرة أخرى، الأمر الذي استدعى طلب وساطات جديدة، من المحيط الدولي الإسلامي، لكن الوسيط الجديد/ الباكستاني، ليس أفضل حالا من سابقيه، فهو لا يملك القوة والقدرة، لإلزام ترامب ونتنياهو بالوفاء بتعهداتهم، واحترام الهدنة كما يجب، وعلاوة على عجز الوسطاء، الذين تحولوا إلى مجرد حاملي رسائل، فإن محاولات تقريب وجهات النظر بين الطرفين، أصبحت مهمة بالغة الصعوبة، إن لم نقل مستحيلة، فما بين منظور إيران لإحلال السلام، والشروط الترامبية المجحفة لفرض الاستسلام، تكمن هوَّة سحيقة وكبيرة جدا، يستحيل ردمها أو القفز عليها.
أعلن ترامب قبوله الهدنة على شروط إيران مرغما، بعد ما مُني به من الهزائم الساحقة النكراء، التي رسمتها مائة موجة صاروخية، في عملية الوعد الصادق 4، على امتداد جغرافيا الهيمنة الأمريكية والاحتلال الإسرائيلي الغاصب، وغيَّرت مجرياتها ونتائجها مسار ومعادلات الصراع العالمي، وقلبت موازين القوى العالمية إلى الأبد، حيث خاضت الجمهورية الإسلامية في إيران المواجهة الكبرى، بعزم راسخ وإرادة لا تلين، واستطاع ثلاثي الصمود؛ القيادة والجيش والشعب، تحقيق النصر العظيم، ووصل الردع الإيراني إلى مستوى السيطرة النارية الكاملة، على القواعد العسكرية الأمريكية في المنطقة، وإلى معادلة السماء المكشوفة في الأراضي الفلسطينية المحتلة، في ظل انعدام شبه كامل لمنظومات الدفاع الجوي بمستوياتها المتعددة، وسيطرة كاملة على مضيق هرمز، والمياه الإقليمية الإيرانية، في ظل عجز حاملات الطائرات والمدمرات والبوارج الأمريكية، عن حماية نفسها، بالإضافة إلى قدرة إيران الإسلامية، على حماية وتأمين كل الجغرافيا الإيرانية الشاسعة، وإحباط أي محاولات زحف بري، وإفشال أي عملية إنزال جوي، ليرتفع رصيد أمريكا وإسرائيل في بنك الهزائم وبورصة الفضائح، إلى مستويات غير مسبوقة، خاصة بعد سقوط أوراقهما التجسسية، في الداخل الإيراني، وسقوط مرتزقتهما القتلة المأجورين من الأكراد في الجوار، حتى أنه يمكن القول إن العدوان الأمريكي الإسرائيلي على جمهورية إيران الإسلامية، وصل إلى مرحلة الإفلاس الاستراتيجي، والعجز والفشل والانكسار التام.
ولذلك كانت الوساطة الباكستانية، بمثابة فعل الضرورة القصوى، ولم يعد أمام ثنائي العدوان الأمريكي الإسرائيلي وحلفائهما، من مخرج للهروب من كلفة وتداعيات عدوانهما، سوى ثلاثة سيناريوهات محتملة، مطروحة بقوة في الوقت الراهن، وهي:
السيناريو الأول: دخول وسيط قوي – بحجم روسيا والصين – بوساطة جادة وضمانات حقيقية، تلبي متطلبات أمان المحور الصاعد/ المنتصر، وتحافظ على مكتسباته الجيوسياسية، ذات الأثمان والتضحيات العظيمة، وفي المقابل تسعى الوساطة، إلى الحفاظ على ما تبقى من كيان المعتدي/ المهزوم، وتضمن له خروجا آمنا من ورطته وتداعيات عدوانه المنعكسة سلبا عليه، الأمر الذي يستدعي حضور الوسيطين؛ الروسي: بثقله السياسي والدبلوماسي، ونهجه النفعي التشاركي، على مبدأ الندية مع الآخر، والصيني: بثقله الاقتصادي التنموي، ونهجه التقدمي النهضوي، على مبدأ مشاعية المنتج الحضاري، بين جميع أبناء المجتمع الإنساني، وبذلك سيكون الوسيط القادم من البريكس، هو المرشح الأول للقيام بهذا الدور الدبلوماسي، ليعيد صياغة المشهد والخارطة السياسية، بضمان تنحية أمريكا عن عرش الهيمنة العالمية، مقابل تنازلات خطيرة وكبيرة في الملف النووي، وتجميد مشروع “إسرائيل الكبرى” مؤقتا، مقابل تفكيك مقومات الفعل الجهادي العسكري، لكل من قوى الجهاد والمقاومة في حماس وحزب الله، وربما الحشد الشعبي العراقي، وتحويلها إلى حركات أو أحزاب سياسية، كون العصر القادم عصر نهضة تنموية واقتصادية شاملة، بعيدا عن الحروب وسلبيات الهيمنة الإمبريالية، لينعم الجميع بالسلام في ظل عالم متعدد الأقطاب. تكمن خطورة وأهمية هذا السيناريو، في مدى نجاح الترويج الإعلامي له، والإعلاء من شأنه ودوره في صنع السلام المنشود، ومدى قدرة البطل الثنائي/ الروسي الصيني، على إتقان الدور، وإقناع الشعوب باختلاف هذا الوسيط عن سابقيه، لكونه: 1- يمثل الفرصة الأخيرة للتهدئة والهدنة والسلام، خاصة بعد استنفاد الوسطاء الإقليميين، وسقوط جميع الهدن والمفاوضات، بسبب الانتهاكات الأمريكية الإسرائيلية المستمرة. 2- يمثل المُخَلِص الأخير، الذي تعلقت به القلوب والأنظار، ويحظى بثقة واحترام وقبول، شعوب وقوى محور الجهاد والمقاومة في المنطقة. 3- يمثل الخصم التقليدي لأمريكا، ويحمل إرث القوة العالمية، الصاعد في تموضعه الجديد، الذي مزج بين عراقة القوة العسكرية، وحداثة القوة الاقتصادية، ولذلك فهو مع شريكه الصيني، الخصم الوحيد القادر على تنحية أمريكا، وتقديم ضمانات – ولو إلى حد ما – لقوى محور الجهاد والمقاومة، بما يسهل الوصول إلى إبرام اتفاقية سلام، ولو مؤقتا. السيناريو الثاني: تفعيل خط “الجهاد الأمريكي من كابول إلى اسطنبول”، كما بسط تفاصيله، الأستاذ المفكر الفيلسوف سعادة السفير/ عبدالله علي صبري، في كتابه الذي يحمل ذات العنوان بين القوسين، حيث تبرز جماعات الإسلام الراديكالي الوظيفية، التي أنشأتها المخابرات الأمريكية والإسرائيلية، تحت عناوين ومسميات دينية إسلامية، وبتوجيه يهودي صهيوني غير مباشر، حيث لعبت جماعات الإسلام السياسي، دور الجهاد وحماية الإسلام والمسلمين، على امتداد الجغرافيا السياسية العربية والإسلامية، من كابول في أفغانستان إلى اسطنبول في تركيا، بما تمثله رمزية المكان في أبعادها المختلفة، حيث خاضت جماعات الإسلام الأصولي التكفيري حروبا شرسة، تحت عناوين الجهاد الإسلامي، من تحرير أفغانستان إلى مواجهة المد الفارسي في العراق، إلى إقامة دولة الخلافة الإسلامية في العراق والشام، وجميع تلك التنظيمات كانت على علاقات وثيقة بأمريكا وإسرائيل، سواء في حربها نيابة عنها، أو في حربها المزعومة ضدها، تنفيذا لمشاريعها الاستعمارية في المنطقة.
لم تختلف الأيديولوجيا التكفيرية وسلوكيات التطرف، التي عرفت بها جماعة طالبان، المدعومة أمريكيا وسعوديا، في حربها ضد الاتحاد السوفيتي، عن تنظيم القاعدة الإرهابي، الذي تبنى – بالتواطؤ مع أمريكا – عمليات ال 11 من سبتمبر 2001م المزعومة، ومثَّل دور البطل الإرهابي المعادي لأمريكا، بهدف تمكينها من تمرير مشروعها، “الحرب على الإرهاب”، ولولا ذلك الدور الخارق لهذا التنظيم، لما استطاعت أمريكا فرز العالم كله بضغطه زر واحدة، على قاعدة “من لم يكن معنا فهو ضدنا”، كذلك لا يختلف الدور الذي لعبته جماعات داعش، سواء في علاقتها بالعدو الإسرائيلي والأمريكي، أو في دورها الوظيفي في خدمة المشروع الصهيوني الاستعماري، وما بين شخصية أبو محمد الجولاني، زعيم تنظيم جماعة النصرة الإرهابي، المطلوب عالميا، وشخصية الرئيس أحمد الشرع، رئيس سوريا الجديدة، وحكومة النصرة الحداثية، تقف مستجدات الأوضاع ومتطلبات المرحلة، التي ترسمها أجهزة المخابرات الأمريكية والموساد الإسرائيلي، وبما تفرض على الشخصيات والتنظيمات الوظيفية، من الأدوار المختلفة حسب مقتضيات ومستجدات الأوضاع، وكما حظيت جماعة طالبان برضى أمريكا، بعد حرب دامت عشرين عاما، ومكنتها حكم أفغانستان، بشهادة الرئيس الأمريكي السابق، جو بايدن، أن طالبان اليوم غير طالبان الأمس، كذلك فاز جولاني النصرة الإرهابي سابقا، برضى أمريكا وإسرائيل، ومنح منصب رئيس جمهورية، وأشاد به المجرم ترامب، بأنه شخصية قوية ومتعاونة، كما أثنى عليه المجرم نتنياهو، وأشاد بماضيهما المشترك في حرب الشعب السوري.
لن يتوقف هذا السيناريو عند توظيف الجماعات الوظيفية التكفيرية التقليدية، بل سيمتد ليشمل ثلاثة مستويات: الأول: التنظيمات والجماعات الإرهابية التكفيرية، المنسوبة إلى الإسلام، التي نشأت برعاية أمريكية إسرائيلية، وبتمويل خليجي سعودي، وشراكة باكستانية، من خلال إحياء الأصولية الدينية، ومنهجية التكفير والتطرف، كما هو الحال بالنسبة لجماعات طالبان والقاعدة وداعش، ومن في حكمها، على امتداد الجغرافيا العربية والإسلامية. الثاني: شركاء صناعة التطرف والإرهاب، من الدول ذات الثقل السياسي والاقتصادي والديني، الداخلة في حلف أمريكا والولاء لإسرائيل مسبقا، مثل السعودية وباكستان وتركيا، ومن على شاكلتهم.
الثالث: أنظمة التطبيع والخيانة والجماعات الوظيفية والأقليات الموالية لأمريكا وإسرائيل، مثل الأنظمة الحاكمة في الخليج العربي، والأنظمة الموقعة لمعاهدات السلام مع الكيان الإسرائيلي في المنطقة، بالإضافة إلى الجماعات الوظيفية، التي أفرزتها أو استهدفتها ثورات الربيع العربي، بتوجهاتها المختلفة وانتماءاتها المتباينة، بالإضافة إلى الأقليات العرقية، الموالية لأمريكا وإسرائيل سلفا، كما هو الحال في بعض جماعات الأكراد والدروز. وفي هذا السيناريو سيشهد العالم أسوأ حرب كارثية، وتصفيات إنسانية جماعية مرعبة، وستشتعل المنطقة العربية والإسلامية أولا، ثم يليها بقية العالم. السيناريو الثالث: اللجوء إلى “الكعكة الصفراء” – إن وجدت – وأقول إن وجدت، لأنها لو كانت موجودة فعلا، ما توانى المجرمان الكافران ترامب ونتنياهو عن استخدامها، منذ عملية طوفان الأقصى وما بعدها، فلا حكمة ولا تعقل ترامب، ولا إنسانية ولا وضمير نتنياهو، هما المانع من استخدامها، ولربما كان استخدامها ولو بشكل جزئي محدود وتكتيكي، حائلا دون سقوط هذين الكيانين، في مستنقع متوالية الهزائم النكراء، ولحفظ ما تبقى من مكانتهما وهيبتهما، بين دول العالم، خاصة وأن أمريكا لم تدخل نادي الاستكبار العالمي، ولم تتفرد بهيمنة القطب الواحد، إلا من خلال حكايتها النووية، التي تفردت بسرد تفاصيلها، كما تفردت بمشاهدة أحداثها، دون غيرها، بما في ذلك الشعب المستهدف.
يبقى هذا السيناريو مطروحا، ضمن الخيارات المتاحة والمحتملة، رغم ما يعتريه من الشك، وفي حال حدوثه – لا سمح الله – فإن نتائجه ستكون محدودة، رغم خطورته العالية، نظرا لاتساع جغرافيا محور الجهاد والمقاومة، وفاعليته لن تتجاوز مستوى الانتقام العبثي، وستكون تكلفته على فاعليه باهظة جدا، حيث سيرتد صداه في مفاعلي “ديمونة” و”براكة”، كردة فعل أولية فقط، وهو ما يعني زوال الكيان الإسرائيلي الغاصب، وزوال الكيان الإماراتي الوظيفي، وتلك خسارة لا يستطيع الكيان الإسرائيلي ورعاته تحملها. ومع تضاؤل حدوث السيناريو الثاني، كون إشعال المنطقة والعالم، بأكبر حرب عبثية وحشية، لن يضمن لقوى الكفر والطاغوت الأمريكي والإسرائيلي، تحقيق أهدافهما وبقائهما، كونها أول من سيحترق بتلك النار الجماعية.
يبقى السيناريو الأول مرجحا أكثر من غيره، ولكن مخرجاته ستكون كارثية على محور الجهاد والمقاومة، وفي مقدمتها جمهورية إيران الإسلامية، التي لا أظنها غافلة عن خطورة دور وساطة زعيمي البريكس، اللذين تجمعهما مع الكيان الإسرائيلي الغاصب، شراكة الهيمنة الاقتصادية، في منظمة استعمارية وليدة، هي منظمة البريكس، وبالتالي يجب الحذر من هذه الوساطة، وعدم الركون إلى ضمانات الوسيطين الروسي والصيني، اللذين عجزا بالأمس عن دفع العقوبات الأمريكية عنهما، فهل سيملكان اليوم العصى السحرية، ليقوما بعقاب أمريكا وتنحيتها، وضمان عدم تكرار عدوانها وجرائمها.
خلاصة: يبقى يمن #سيد_القول_والفعل وشعب الأنصار وأحفاد الأنصار والقوات المسلحة اليمنية، هي حجر العقد في تحولات ومجريات هذا الصراع، وهي الضامن الأكبر والأقوى، لتحقيق واستحقاق النصر المطلق، خاصة وأن اليمن خاض ويخوض حربه الاستثنائية، في الدفاع عن حريته ومكتسباته بمفرده، وخاض ويخوض حرب إسناد كل قوى وفصائل الجهاد والمقاومة في المحور، بالإضافة إلى كونه نواة بقاء وحدة الساحات، ومرتكز انتصاراتها القادمة.