مَثَّلَ كشفُ الخلايا التجسسيةِ المرتبطةِ بالاستخباراتِ السعوديّةِ والأمريكيةِ والبريطانيةِ والصهيونيةِ إنجازًا نوعيًّا كشفَ عن حجمِ المعركةِ الخفيةِ التي تُدارُ ضِدَّ اليمنِ، مؤكّـدًا في الوقتِ ذاتِه مستوى اليقظةِ والكفاءةِ التي بلغتْها الأجهزةُ الأمنيةُ اليمنيةُ في مواجهةِ واحدةٍ من أخطر أدوات الحروبِ الحديثةِ، حربِ الاختراق والتجسُّسِ وزعزعةِ الجبهةِ الداخليةِ.
وبعدَ أن فَشِلَ العدوّ في إخضاع اليمنِ بالحربِ العسكريةِ المباشرةِ والحصارِ واستهداف البنيةِ التحتيةِ، انتقلَ إلى مسارٍ أشدَّ خُبثًا وتعقيدًا، يقومُ على تجنيدِ العملاءِ وجمعِ المعلوماتِ ومحاولةِ تفكيكِ المجتمعِ من الداخلِ، واستهداف القياداتِ والمنشآتِ والقدراتِ العسكريةِ والأمنيةِ.
ومن هنا تبرزُ أهميّةُ هذا الإنجاز، بوصفِه ضربةً استباقيةً نوعيةً لا تقفُ عند حدودِ ضبطِ خلايا محدودةٍ، إنما تستهدفُ مشروعًا عدائيًّا واسعًا يمسُّ أمنَ اليمنِ وسيادتَه وموقفَه المساندَ لفلسطينَ وقوى المقاومةِ.
في بُعدِه الأمني والاستخباراتي
أسقطَ هذا الإنجاز مخطّطًا معاديًا قبل وصولِه إلى مرحلةِ التنفيذِ، وعكسَ تطورًا نوعيًّا في أداء الأجهزةِ الأمنيةِ، من ردِّ الفعلِ إلى الفعلِ الاستباقيِّ، عبرَ رصدِ الخطرِ وتعقُّبِه وكشفِ أدواته قبل تحولِه إلى عملياتٍ ميدانيةٍ، كما كشفتْ جزءًا من بنيةِ تشغيلٍ استخباريةٍ معاديةٍ تتداخلُ فيها أدوارٌ سعوديّةٌ وأمريكيةٌ وبريطانيةٌ وصهيونيةٌ، وتعتمدُ على غرفِ إدارة ووسائلِ تجنيدٍ وقنواتِ اتصال وأهداف عملياتيةٍ.
في البُعد الوطني
لطالما كانَ الهدفُ الأكبر لأيَّةِ حربٍ استخباراتيةٍ هو ضربَ الجبهةِ الداخليةِ، والعدوّ باتَ يدركُ أنَّ صلابةَ اليمنِ لا تقومُ على القوةِ العسكريةِ وحدَها، دونَ تماسكِ المجتمعِ ووعيِه وثقتِه بقيادتِه وقدرتِه على التمييزِ بينَ المعلومةِ والشائعةِ.
لذلك ركزتْ محاولاتُ التجنيدِ على استغلال الفقرِ والاغترابِ ومواقعِ التواصلِ وجلساتِ النقاشِ والقضايا الحساسةِ المرتبطةِ بفلسطينَ والبحرِ الأحمر والعملياتِ العسكريةِ؛ ومن هنا، فإنَّ كشفَ الخلايا يؤكّـدُ أنَّ المعركةَ معركةُ وعيٍ وليستْ أمنيةً فقط، والأمنُ مسؤوليةٌ مشتركةٌ، فالكلمةُ غيرُ المحسوبةِ قد تتحولُ إلى ثغرةٍ، والمعلومةُ الصغيرةُ قد تكونُ جزءًا من هدفٍ كبيرٍ.
في البُعد الاستراتيجي
لا ينفصلُ تصاعدُ النشاطِ الاستخباراتيِّ ضدَّ اليمنِ عن تحولاتِ ما بعدَ “طوفانِ الأقصى”؛ إذ جَعَلَ الموقفُ اليمنيُّ المساندُ لغزةَ والعملياتُ في البحرِ الأحمر اليمنَ في صدارةِ بنكِ الاستهداف المعادي، والعدوّ يسعى عبرَ التجسسِ إلى فهمِ القدراتِ اليمنيةِ التي غيّرتْ قواعدَ الاشتباك وأثبتتْ قدرةَ اليمنِ —رغم العدوانِ والحصارِ— على التأثير في أحد أهم الممراتِ البحريةِ.
لذلك يتجاوزُ هذا الإنجاز الداخلَ؛ لأنه يحمي موقعَ اليمنِ في معركةِ الأُمَّــة، ويحفظُ دورَه المساندَ لفلسطينَ، ويمنعُ تحويلَ الاختراق الاستخباراتيِّ إلى أدَاة لإضعافِ هذا الدورِ أَو تعطيلِه.
في البُعد الردعي
إنَّ كشفَ الخلايا يوجهُ رسالةً مزدوجةً: الأولى لأجهزةِ الاستخباراتِ المعاديةِ بأنَّ الساحةَ اليمنيةَ ليستْ مفتوحةً للاختراق، وأنَّ محاولاتِ التجنيدِ وجمعِ المعلوماتِ ستكونُ تحتَ الرصدِ والمحاسبةِ، والثانيةُ لكلِّ مَن تورطَ أَو يفكرُ في التورطِ، بأنَّ طريقَ التجسسِ نهايتُه الانكشافُ، وأنَّ الاعتراف والتبليغَ هو المخرجُ قبل فواتِ الأوانِ.
وبذلك لا تقتصرُ الرسالةُ على العقابِ، إنما تفتحُ بابَ العودةِ لمنْ وقعَ في الفخِّ، وتقطعُ سلسلةَ الاستدراجِ قبل أن تصلَ إلى نقطةِ اللاعودةِ.
في البُعد المؤسّسي
يكشفُ الإنجازُ مستوىً متقدمًا في العملِ الأمنيِّ، من حَيثُ التتبُّعُ والرصدُ والتحليلُ والضبطُ، والتنسيقُ بين المساراتِ الإداريةِ والقضائيةِ والاجتماعيةِ؛ فمواجهةُ الخلايا التجسسيةِ لا تعتمدُ على القوةِ المباشرةِ وحدَها، دونَ أن يكونَ هناك صبرٌ استخباراتيٌّ، وفَهْمٌ للبيئةِ، وتحليلٌ للسلوكِ، وقدرةٌ على ربطِ الخيوطِ المتفرقةِ.
ويعكسُ هذا الإنجازُ تراكمَ خِبراتِ الأجهزةِ الأمنيةِ خلالَ سنواتِ العدوانِ، وقدرتَها على قراءةِ أنماطِ الاختراق، وتمييزِ أساليب التجنيدِ، وملاحقةِ الشبكاتِ قبل اكتمالِ خطرِها.
وبذلك، يؤكّـد تحوُّلَ الأداء الأمنيِّ من الحمايةِ التقليديةِ إلى الأمنِ الوقائيِّ والاستخباراتيِّ القادرِ على التعاملِ مع تعقيداتِ الحربِ الحديثةِ.
حينَ يقدمُ شخصٌ معلوماتٍ عن مواقعَ أَو قياداتٍ أَو تحَرّكاتٍ أَو منشآتٍ، فإنه يشاركُ في صناعةِ جريمةٍ قد تنتهي باغتيال أَو قصفٍ أَو استهداف مدنيينَ.
ولذلك فإنَّ التعاملَ الحازمَ مع الخلايا التجسسيةِ واجبٌ وطنيٌّ وقانونيٌّ وأخلاقيٌّ لحمايةِ المجتمعِ من نتائجِ هذه الأفعال.
في البُعد المجتمعي
يبقى المجتمعُ هو الحِصنَ الأوسعَ مهما تطورتِ الأجهزةُ الأمنيةُ؛ فالعدوُّ لا يستطيعُ بناءَ شبكاتِ تجسُّسٍ فاعلةٍ إلا إذَا وجدَ بيئةً رخوةً، أَو أفرادًا قابلينَ للاستدراجِ، أَو حالةَ غفلةِ تسمحُ بتداولِ المعلوماتِ الحساسةِ دونَ وعيٍ.
ولهذا فإنَّ الإنجازَ الأمنيَّ فرصةٌ لتعزيزِ الوعيِ العامِّ بخطورةِ المعلومةِ، فليستْ كُـلّ معلومةٍ صالحةً للتداولِ، وبالحذرِ من الاستدراجِ عبرَ وسائلِ التواصلِ أَو النقاشاتِ الجانبيةِ، والمبادرةِ إلى الإبلاغِ عن أية محاولةٍ مشبوهةٍ للتجنيدِ أَو جمعِ المعلوماتِ.
الخلاصة
أرادَ العدوُّ أن يجعلَ من التجسُّسِ طريقًا لإرباك اليمنِ من الداخلِ، فإذا باليقظةِ الأمنيةِ والوعيِ الشعبيِّ يحولانِ هذا الطريقَ إلى فَخٍّ ينكشِفُ فيه العملاءُ ومشغِّلوهم؛ وبينما يراهنُ العدوُّ على الخونةِ والضعفاءِ، يثبتُ اليمنُ أنَّ قوةَ الشعوبِ تقاسُ بوعيِها، وتماسكِها، وقدرتِها على حمايةِ أسرارِها ومواجهةِ مَن يتربصُ بها، قبل الحديثِ عن قوةِ السلاحِ، وهذا هو المعنى الأعمقُ للإنجاز.