وعي العداء وفلسفة التمييز.. حين يكون “تحديد العدو” بوابة للنجاة

البيضاء نت | تقرير خاص 

التيه في زمن الاشتباك في عالم تتقاطع فيه المصالح وتختفي خلفه النوايا تحت ستار الدبلوماسية، يبرز أخطر أنواع “العمى” الإنساني: العجز عن التفريق بين اليد التي تمتد للمصافحة واليد التي تخفي الخنجر، و إن التباس العدو بالصديق ليس مجرد خطأ تقديري، بل هو انتحار استراتيجي يضع الشعوب في حالة من “التيه” الذي يفقدها بوصلة الكرامة والسيادة.

البعد القرآني: تشخيص لا يقبل التأويل

انطلق الفكر الإسلامي الأصيل من قاعدة معرفية صلبة وضعتها الآية الكريمة: {لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ ٱلنَّاسِ عَدَٰوَةً لِّلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱلْيَهُودَ وَٱلَّذِينَ أَشْرَكُواْ} (المائدة: 82).

هذا النص القرآني لا يقدم مجرد معلومة تاريخية، بل يرسم “خارطة مخاطر” دائمة، إن “أشدية” العداوة هنا تعني أنها عداوة وجودية، مستمرة، ومنظمة، لا تكتفي بالمواجهة العسكرية بل تتعداها إلى الغزو الثقافي والتدجين السياسي.

رؤية السيد حسين بدر الدين الحوثي: من التوصيف إلى التحرك

في قراءته للواقع المعاصر، ركز السيد حسين بدر الدين الحوثي بشكل جوهري على خطورة “الالتباس” في تحديد العدو، ويمكن تلخيص رؤيته في هذا السياق عبر النقاط التالية:

  • القرآن كمنظار للواقع: يرى السيد حسين أن القرآن الكريم هو الكتاب الوحيد الذي يقدم تشخيصاً دقيقاً لنفسيات ومخططات الأعداء. ومن يبتعد عن هذا التشخيص يقع ضحية لـ “الخداع الإعلامي” الذي يصور العدو كراعي للسلام.

  • خطورة التولي: حذر السيد من أن أخطر مراحل “التيه” هي “تولي اليهود والنصارى”، معتبراً أن الأمة إذا لم تحدد عدوها الحقيقي (إسرائيل وأمريكا كأدوات استعمارية)، فإنها ستتحول إلى أداة لخدمة مشاريعهم من حيث لا تشعر.

  • بناء السخط كمنهجية مواجهة: اعتبر أن “الشعار” والصرخة ليسا مجرد كلمات، بل هما وسيلة لكسر حاجز الخوف وتحديد هوية العدو بوضوح، مما يمنع حالة “العمى” التي تروج لها الأنظمة المرتبطة بالخارج.

“إننا بحاجة إلى أن نتفهم جيداً من هو عدونا.. إذا لم نعرف عدونا، فسنضرب أنفسنا، وسنفتح الأبواب لعدونا ليتمكن منا.” 

آثار “التيه” ونتائج غياب البوصلة

عندما يختلط مفهوم العدو بالصديق، تظهر نتائج كارثية على جسد الأمة:

  1. تبديد الجهود: توجيه الصراعات نحو الداخل (بين أبناء الأمة الواحدة) بدلاً من توجيهها نحو المحتل.

  2. الارتهان الاقتصادي والسياسي: قبول التبعية تحت مسميات “الشراكة” و”المعونات”.

  3. المسخ الثقافي: تبني قيم العدو وهدم الهوية الإيمانية بدعوى العصرنة.

الخاتمة: الوعي هو السلاح الأول

إن الخروج من حالة “التيه الفظيع” يبدأ باستعادة الرؤية القرآنية للواقع. إن التمييز بين الصديق والعدو ليس دعوة للكراهية العبثية، بل هو إجراء وقائي لحماية الوجود. وكما أكد السيد حسين بدر الدين الحوثي، فإن الأمة التي تمتلك الوعي لا يمكن استغفالها، والأمة التي تحدد عدوها بوضوح قطعت نصف الطريق نحو النصر.

إنها معركة الوعي قبل أن تكون معركة الميدان؛ فالبصيرة هي التي تقود السلاح، والعمى هو الذي يسلم الرقاب.