اليوم الثاني والسبعين: طهران ترمي كرة التفاوض بملعب واشنطن.. نتنياهو يطالب بـ”اليورانيوم”، والمسيرات تصطاد النخبة الإسرائيلية! 

التقدير الاستراتيجي والجيوسياسي لمساء الأحد 10 أيار 2026:

البيضاء نت | تقرير طلال نخلة 

نقف هذا المساء في منعطف حاسم. بعد طول ترقب وتسريبات إعلامية غربية، سلمت طهران ردها الرسمي على المقترح الأمريكي لإنهاء الحرب عبر الوسيط الباكستاني، لتنقل بذلك كرة النار الدبلوماسية إلى ملعب إدارة ترامب. وبينما يدرس البيت الأبيض الرد الإيراني الذي يتمسك بالثوابت السيادية ويرفض المساومة المجانية، يخرج نتنياهو ليضع “ألغاماً” في طريق التسوية، مطالباً بانتزاع اليورانيوم الإيراني كشرط لـ”الانتصار”.
وفي الميدان اللبناني، لا يبدو أن الاحتلال الإسرائيلي يملك ترف التنظير؛ فمسيرات المقاومة الانقضاضية تواصل اصطياد جنوده وضباطه وتدمير آلياته في خلة راج والبياضة، محولة الخطوط الأمامية إلى جحيم يومي ينسف سردية “المنطقة العازلة”.

سأُفكك لكم مساء هذا اليوم، من دلالات الرد الإيراني، إلى خفايا المطلب النووي الإسرائيلي، وصولاً إلى استمرار الانهيار التكتيكي لجيش الكيان:

أولاً: الرد الإيراني.. “الثوابت قبل التسويات”
أكدت طهران أنها أرسلت ردها الرسمي إلى الجانب الأمريكي عبر باكستان. توقيت هذا الرد، بعد لقاء الرئيس الإيراني بالمرشد وتوجيهات الأخير بـ”مواجهة الأعداء بقوة وحزم”، يشير إلى رسالة واضحة: إيران دخلت التفاوض من موقع قوة، وليس استسلاماً.
المعطيات تؤكد أن طهران متمسكة بخطوطها الحمراء: رفع كامل للحصار، ضمانات بعدم العودة للحرب، ترتيبات سيادية في هرمز، وربط حاسم بإنهاء العدوان على لبنان. الرد الإيراني يُسقط “ورقة الصفحة الواحدة” الأمريكية التي حاولت فرض استسلام مبطن، ويضع إدارة ترامب أمام خيارين: إما تقديم تنازلات حقيقية تُرضي طهران قبل قمة بكين، أو تحمل عواقب فشل المفاوضات واستمرار استنزاف الاقتصاد العالمي، خاصة مع التحذير الإيراني الحازم من أن أي تواجد لسفن حربية فرنسية أو بريطانية (وهو ما نفته فرنسا لاحقاً) سيواجه بـ”رد فوري وحاسم”.

ثانياً: العقدة النووية.. نتنياهو وترامب ومحاولة سرقة “الانتصار”
في محاولة مكشوفة لعرقلة أي اتفاق لا يُلبي أجندته القصوى، عاد نتنياهو للمطالبة بإخراج اليورانيوم المخصب من إيران، واصفاً ذلك بـ”المهمة البالغة الأهمية”. ترامب لاقاه بتهديد هوليودي، متوعداً بـ”الحصول على اليورانيوم المدفون” ومراقبة المواقع عبر “قوة الفضاء”.
هذه التصريحات ليست سوى هذيان استراتيجي يائس:

1. الفشل العسكري: لو كانت واشنطن وتل أبيب قادرتين على تدمير البرنامج النووي الإيراني، لفعلتا ذلك خلال 72 يوماً من “الغضب الملحمي”. المطالبة الآن بـ”تسليم” اليورانيوم تعكس عجزاً عن تدميره.

2. التخبط الأمريكي: تصريح وزير الطاقة الأمريكي بأن الهدف هو “إنهاء البرنامج” وليس مجرد نقل اليورانيوم، يتناقض مع تسريبات سابقة بقبول واشنطن تعليق التخصيب. هذا التخبط، بالإضافة إلى استبعاد ترامب لضربات جديدة حالياً، يؤكد أن واشنطن تناور إعلامياً لإرضاء حليفها الإسرائيلي وللضغط التفاوضي، لكنها تفتقر لأي خطة عسكرية واقعية لتحقيق هذه المطالب الاستحالية.

ثالثاً: لبنان.. مقبرة الاحتلال ووهم “تخفيض التصعيد”
في حين يتحدث مسؤولون لبنانيون رسميّون بسذاجة سياسية عن “مسعى أمريكي لخفض التصعيد الإسرائيلي”، يواصل الميدان تكذيب هذه الأوهام.

1. مجزرة المسيرات: إعلان الجيش الإسرائيلي عن إصابة ضابط وجنديين (بينهم حالة خطيرة) بمسيرة، وإصابة 10 جنود آخرين في انفجار منفصل، هو دليل قاطع على فقدان إسرائيل للسيطرة الجوية والبرية في الجنوب.

2. تكتيك “الصيد المستمر”: حزب الله لا يهدأ؛ استهدافات مركزة في البياضة (مركز قيادي ودبابة ميركافا)، دير سريان (جرافات D9 وتجمعات جنود في خلة الراج)، وشمع، ومثلث علمان-القصير. هذه العمليات النوعية، التي تستخدم تكتيك “المسيرات الانقضاضية المزدوجة والمترابطة” (قصف تجمع ثم قصف القوات التي تحاول الإخلاء)، حوّلت القوات الإسرائيلية إلى أهداف ثابتة، وأثبتت أن اغتيال القيادات لم يُضعف هيكلية المقاومة.

3. سقوط الردع الإسرائيلي: كما أكد رئيس الشاباك الأسبق يورام كوهين والمراسل العسكري يوسي يهوشوع، إسرائيل لا تملك حلاً جذرياً لهذه المسيرات. محاولة ربط هذه الإخفاقات التكتيكية بشروط استراتيجية في لبنان هي هروب من الواقع؛ فجيش لا يستطيع حماية جنوده في “منطقة عازلة” مزعومة، لا يمكنه فرض إملاءات سياسية على المقاومة أو الدولة اللبنانية.

رابعاً: التحشيد اللوجستي والاستنزاف العالمي
رغم الحديث عن التفاوض، لا تتوقف الآلة العسكرية الأمريكية عن الاستعداد للحرب. التحديث الأخير لأسطول طائرات التزود بالوقود (225 طائرة، منها 114 في منطقة العمليات المركزية CENTCOM)، يُشير إلى تحول تكتيكي: تدوير الطائرات المنهكة بآليات جديدة لضمان استمرارية التغطية الجوية على مدار الساعة. هذا الانتشار يؤكد أن البنتاغون يُبقي خيار “التصعيد الشامل” متاحاً، إما كأداة ضغط في المفاوضات الجارية، أو كخطة احتياطية في حال رفضت طهران الشروط الأمريكية.
إلى جانب ذلك، تستمر تداعيات إغلاق مضيق هرمز بضرب عصب الاقتصاد العالمي، مع تقارير عن انخفاض حاد في مخزونات النفط، وارتفاع أسعار التذاكر الجوية العالمية نتيجة شح وقود الطيران، وتضرر خطوط جوية رئيسية، ما يُفاقم الضغط الداخلي والدولي على إدارة ترامب لإنهاء الحرب بأي ثمن.

الخلاصة:
الرد الإيراني وضع ترامب أمام اختبار حقيقي: إما التسوية العادلة التي تضمن حقوق طهران وتنهي الحصارين (على إيران ولبنان)، أو الغرق مجدداً في مستنقع الخليج وحرب أسعار الطاقة التي ستكلفه رئاسته. وفي إسرائيل، يواصل نتنياهو بيع الوهم لشعبه بأنه يستطيع انتزاع اليورانيوم من طهران عبر تصريحات تلفزيونية، في وقتٍ تُنتزع فيه أرواح نخبة جنوده وتُحرق آلياته يومياً في مسلخ جنوب لبنان.