التقوى الإدارية… عندما تصبح الرقابة داخل الإنسان لا فوق رأسه (1)
البيضاء نت | مقالات
بقلم / د. عبدالكريم أحمد الديلمي
التقوى ليست مجرد كلمة مرتبطة بالعبادات أو الوعظ، بل هي في جوهرها حالة من الوعي والانضباط الداخلي تجعل الإنسان يراقب نفسه قبل أن يراقبه الآخرون. وقد قدم القرآن الكريم التقوى باعتبارها حالة من الحذر واليقظة والالتزام العملي تجاه أوامر الله ونواهيه، وليست مجرد مشاعر عابرة أو مظاهر شكلية.
فالمتقي ليس فقط من يؤدي العبادات، بل من يلتزم بالعدل، ويتجنب الظلم، ويحفظ الأمانة، ويؤدي حقوق الناس، ويتحمل مسؤوليته بضمير حي. ولهذا ارتبطت التقوى في القرآن بالعدل، والأمانة، والإحسان، وتحمل المسؤولية، وإصلاح ذات البين، والصدق، والانضباط الأخلاقي في التعامل مع الناس.
ولو تأملنا هذا المعنى إداريًا، لوجدنا أن المؤسسة الناجحة لا تُبنى فقط على القوانين واللوائح (التي قد ينجح البعض أحيانًا في الالتفاف عليها)، بل على وجود أشخاص يملكون ضميرًا مهنيًا حيًا حتى عندما لا يراقبهم أحد.
وفي كثير من المؤسسات، تُكتب اللوائح بعناية، وتُعلّق الشعارات على الجدران، وتُنشأ إدارات للرقابة والتفتيش والمتابعة، ثم يكتشف الجميع بعد سنوات أن المشكلة لم تكن يومًا في نقص النماذج أو كثرة التعاميم، بل في غياب شيء واحد هو “التقوى الإدارية”.
نعم… التقوى الإدارية.
قد يبدو المصطلح جديدًا، لكنه في الحقيقة من أعمق المفاهيم الإدارية التي يمكن أن تصنع الفرق بين مؤسسة تنهض، وأخرى تنهار رغم كثرة اللوائح والاجتماعات.
فالمدير الذي لا يملك تقوى إدارية قد يحضر كل الاجتماعات، ويتحدث عن الجودة والحوكمة والشفافية، ثم يمارس عكس ذلك تمامًا عند أول اختبار للمصلحة أو النفوذ أو المجاملة.
فالتقوى الإدارية تعني أن يتحول المنصب من وسيلة نفوذ إلى مسؤولية أخلاقية ومهنية ذاتية، وأن يصبح الضمير جزءًا من النظام الإداري، لا مجرد نصوص مكتوبة في اللوائح. فالمدير الذي يملك تقوى إدارية لا يحتاج إلى كاميرا فوق مكتبه حتى يلتزم بالنظام، لأنه يحمل رقابة داخلية تمنعه من الظلم حتى عندما يستطيع ممارسته.
فالرقابة الحقيقية ليست الكاميرا المعلقة في زاوية المكتب، بل ذلك الصوت الداخلي الذي يقول للمسؤول هل هذا القرار عادل؟ هل أعطيت هذا الشخص حقه؟ هل اخترت الأكفأ أم الأقرب؟ هل أعمل لمصلحة المؤسسة؟ …
وهنا يظهر الفرق بين الإدارة بالخوف والإدارة بالتقوى. فالإدارة بالخوف تحتاج دائمًا إلى تفتيش ومتابعة وتهديد ولجان تحقيق، وتوقيعات لا تنتهي. أما الإدارة القائمة على التقوى الإدارية، فتعتمد على أن يتحول الانضباط إلى قناعة داخلية، لا إلى خوف مؤقت من العقوبة.
ولذلك نجد أن كثيرًا من المؤسسات لا تعاني من نقص الأنظمة، بل من ضعف الالتزام الأخلاقي عند تطبيقها. فبعض القيادات تريد من الموظف الالتزام بالدقيقة والثانية، لكنها لا ترى مشكلة في تجاوز العدالة عند توزيع الفرص أو الحوافز أو المناصب.
ومن هنا تصبح التقوى الإدارية ضرورة مؤسسية، لا مجرد قيمة دينية فردية.
كما أن التقوى الإدارية تعني أن يدرك المسؤول أن المنصب ليس حصانة، بل مسؤولية ومحاسبة. كما أن الإنسان عندما يصل إلى موقع المسؤولية قد يتغير سلوكه ويقع في الطغيان أو الظلم إذا غابت التقوى. ولعل أخطر ما يواجه المؤسسات اليوم ليس ضعف الموارد، بل غياب هذا النوع من الوعي.
ويمكن تقديم تعريف للتقوى الإدارية بأنها تمثل منظومة من القيم والضوابط الذاتية التي تحكم السلوك الإداري والمهني، وتدفع الفرد إلى ممارسة مسؤولياته بنزاهة وعدالة وشفافية، وتجنب استغلال السلطة أو الإضرار بالمصلحة المؤسسية، انطلاقًا من رقابة داخلية أخلاقية تتجاوز مجرد الالتزام الشكلي بالأنظمة والتعليمات.
فكم من مؤسسة تملك خططًا استراتيجية، وشهادات جودة، وأدلة إجرائية، لكنها تعاني من الصراعات، الشخصنة، غياب العدالة، ضعف الثقة، وتآكل الروح المؤسسية. والسبب غالبًا ليس تقنيًا… بل أخلاقي إداري، والمشكلة تبدأ مثلاً عندما تتحول الترقية إلى مجاملة، والتقييم إلى تصفية حسابات، والوظيفة إلى مكافأة للعلاقات، والاجتماعات إلى مسرحيات إدارية يعرف الجميع نتائجها مسبقًا!
فالتقوى الإدارية لا تتحقق بالشعارات، بل بالممارسات اليومية، ومن أهم ما يعززها داخل المؤسسات هو العدالة في توزيع الفرص والمهام، اختيار الكفاءات المخلصة لا الأقارب والأصدقاء، الشفافية في القرارات، احترام الوقت والأنظمة، ربط المسؤولية بالمحاسبة، الاعتراف بالأخطاء بدل تبريرها، تقديم مصلحة المؤسسة على المصالح الشخصية، تشجيع بيئة الحوار واحترام الرأي، منع استغلال النفوذ والصلاحيات، حماية المال العام والموارد المؤسسية، الالتزام المهني حتى في غياب الرقابة، … وغير ذلك.
ومن خلال ما سبق، قد يرى البعض أن مفهوم التقوى الإدارية يتقاطع مع مفاهيم الحوكمة، والأخلاقيات الإدارية، والنزاهة التنظيمية. والحقيقة أن العلاقة بينها ليست علاقة تطابق، بل علاقة تكامل وترابط.
فالحوكمة تمثل الإطار التنظيمي الذي يضبط السلطة والقرارات والإجراءات، وتمثل الأخلاقيات الإدارية المعايير السلوكية والمهنية التي توجه الممارسات داخل المؤسسة، بينما تعبر النزاهة التنظيمية عن حالة الالتزام العملي بالعدالة والشفافية والأمانة.
أما التقوى الإدارية، فهي تمثل البعد الداخلي والرقابة الذاتية التي تمنح هذه المنظومات روحها الحقيقية، وتدفع الفرد إلى الالتزام بها حتى في غياب الرقابة الخارجية. فوجود أنظمة حوكمة قوية أو مواثيق أخلاقية لا يضمن دائمًا النزاهة إذا غابت الرقابة الداخلية والضمير المهني.
ومن هذا المنطلق، يمكن النظر إلى التقوى الإدارية باعتبارها المحرك القيمي الذي يعزز الأخلاقيات الإدارية، ويدفع نحو الالتزام الحقيقي بالحوكمة، ويسهم في بناء نزاهة تنظيمية مستدامة، بحيث لا تصبح القوانين والإجراءات مجرد التزام شكلي يمكن الالتفاف عليه.
ومع ذلك، فإن التقوى الإدارية تختلف عن الأنظمة الإدارية التقليدية؛ إذ لا يمكن فرضها بالقوة أو بالتعليمات فقط، لأنها ترتبط أساسًا بالوعي الذاتي والضمير الأخلاقي والمسؤولية الداخلية لدى الإنسان.
كما أنه لا يكفي أن نعتمد على ضمير الأشخاص فقط؛ لأن الأشخاص يتغيرون، وقد يأتي شخص قوي الضمير وآخر ضعيف الضمير. لذلك تحتاج المؤسسة إلى تحويل القيم إلى أنظمة وإجراءات لتتحقق التقوى المؤسسية. لأن البيئة الظالمة تضعف حتى أصحاب الضمير الحي.
لكن يبقى السؤال الأهم: كيف يمكن للمؤسسات أن تعزز التقوى الإدارية وتحوّلها من قيمة فردية إلى ثقافة وممارسة مؤسسية تُنتج ما يمكن تسميته بالتقوى المؤسسية؟ هذا وغيره سنناقشه في المقال القادم إن شاء الله.