حافة الهاوية العابرة للقارات: واشنطن تستبدل القصف بـ “الخنق المالي”.. وطهران تنقل معادلة النار إلى كييف وهرمز

البيضاء نت | تقرير طلال نخلة 

في اليوم الخمسين بعد المئة لاندلاع الحرب، دخل الصراع مرحلة الخنق التكتيكي وحروب الظل المعقدة، وسط تراجع ملحوظ في الغارات الأمريكية المباشرة وثبات في التحشيدات العسكرية. يقود البيت الأبيض مساراً مزدوجاً يعتمد على الإطباق الاقتصادي كبديل مؤقت عن الاستنزاف العسكري، بالتوازي مع لجم اندفاعة تل أبيب الساعية لإشعال أزمة طاقة عالمية. وفي حين تحكم طهران قبضتها الملاحية محذرة من أي مساس بأصولها المجمدة كتعويضات، تتمدد الجبهات من بحر قزوين حيث تستعد أوكرانيا لتلقي ضربات باليستية إيرانية، وصولاً إلى العراق حيث تبرز ملامح عمليات تمويه استخباراتية. وعلى وقع ارتباك المحور الإسرائيلي وضعف موقف نتنياهو في واشنطن، تتسارع خطى التموضع الاستراتيجي عالمياً، من تبني موسكو للعقيدة البحرية الإيرانية، إلى تسليم أبوظبي بنيتها العسكرية الذكية للبنتاغون.

المحور الأول: كبح الجماح الإسرائيلي، سلاح الخزانة الأمريكية، ومشروع “سنتينل”

1. تحجيم نتنياهو علناً في واشنطن: وصل رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو إلى البيت الأبيض للقاء ترامب للمرة الثامنة، لكنه في أضعف مواقفه السياسية على الإطلاق. وجه له ترامب رسالة علنية قاسية عبر شبكة فوكس نيوز، موبخاً إياه على الحديث العلني عن منشأة “جبل الفأس” لمحاولة توريط واشنطن، مؤكداً أن الاستخبارات الأمريكية تملك أفضل كاميرات المراقبة هناك، وأن تدمير الجبل أو الجسور الإيرانية مسألة ساعات إذا فشلت المحادثات القائمة، رافضاً أي ضغط إسرائيلي.

2. الفيتو الأمريكي على حرب الطاقة: أقر وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس صراحة بأن تل أبيب تتوق لضرب البنية التحتية للطاقة الإيرانية، لكن واشنطن ترفض منح الضوء الأخضر خشية اشتعال أزمة نفط عالمية وتدمير منشآت الدول المجاورة. كاتس، الذي يعلم أن النظام الإسرائيلي يخسر مكانته، يأمل في ضربة إيرانية استباقية قبل الانتخابات لخلط الأوراق، مذكراً بتباهي سابق بأن المقاتلات الأمريكية كانت تنطلق من الكيان لقصف طهران في ذروة العمليات.

3. تفضيل سلاح الاقتصاد على العسكر: تشير التقييمات الأمريكية إلى أن الاستنزاف المالي يفعل في طهران ما لم تفعله القنابل. الاستخبارات ترصد ضغوطاً اقتصادية شديدة داخل إيران تشمل نقص البنزين ومخاوف انهيار البنوك، مما دفع مسؤولاً أمريكياً للقول إن الإيرانيين يخافون من وزارة الخزانة أكثر من وزارة الحرب.

4. الاستعدادات النووية وتفاصيل زيارة نتنياهو: في مؤشر على استعدادات واشنطن الاستراتيجية بعيدة المدى، بدأ سلاح الجو حفر الممر التقني الجوفي لبرنامج صواريخ “سنتينل” النووية في نبراسكا لربط منصات الإطلاق بالألياف الضوئية لعقود قادمة. سياسياً، ينخرط نتنياهو في ترتيبات العاصمة حيث شارك وزوجته في عشاء تكريمي للراحل ليندسي غراهام استضافه المصرفي اللبناني أنطون صحناوي وحضره حشد من أعضاء مجلس الشيوخ ومستشاري ترامب. وفي دلالة سياسية، ألغى نائب الرئيس جي دي فانس لقاءه مع زيلينسكي لحضور لقاء نتنياهو والمشاركة في تأبين غراهام.

المحور الثاني: معادلة هرمز، التموضع الإقليمي، والذكاء الاصطناعي في الخليج

1. إنذار الأصول المجمدة والسيادة على هرمز: رداً على إعلان ترامب نيته سداد تعويضات السفن المتضررة من أموال إيران المجمدة، أصدر مقر خاتم الأنبياء تحذيراً استراتيجياً يمنع مرور سفن أي شركة أو دولة توافق على هذا الإجراء عبر مضيق هرمز. كما شددت القيادة الحربية المشتركة على أن أي محاولة أمريكية لفرض حصار بحري ستُعتبر تصعيداً يستوجب رداً عسكرياً.

2. الشلل الملاحي وانهيار العبور: تظهر الأرقام خنقاً تكتيكياً غير مسبوق، حيث سجل مضيق هرمز عبور 29 سفينة فقط خلال عطلة نهاية الأسبوع (انهيار بنسبة 90%)، وسجل باب المندب 100 عبور (تراجع بنسبة 50%). هذه الأرقام تضع السعودية تحت ضغط خانق مزدوج.

3. المقترح العماني والعقيدة الروسية الجديدة: قدمت سلطنة عمان مقترحاً إقليمياً لإدارة هرمز عبر آلية دفع طوعية تسلب طهران سيطرتها الأحادية. دولياً، أعلن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين تبني بلاده لنموذج الحرب البحرية غير المتماثلة الإيرانية، مشيداً بفعالية الزوارق السريعة “موسكيتو” وتطوير موسكو لقدرات مشابهة.

4. التغلغل الاستخباري والتغييب السياسي: سلمت الإمارات إدارة بنيتها التحتية العسكرية للذكاء الاصطناعي للقيادة المركزية الأمريكية عبر تشكيل قوة مهام “تالون سينابس” المخصصة للمراقبة الإقليمية. يتزامن ذلك مع غياب لافت لملك الأردن عبد الله الثاني الذي قضى 40 يوماً متواصلة خارج بلاده (مقابل 7 أيام فقط في الأردن) خلال ذروة الأزمة.

 

المحور الثالث: حروب الظل، أوكرانيا تحت التهديد، ورسائل فصائل المقاومة

1. عمليات التمويه والرايات الكاذبة: سجلت حركة استخباراتية مكثفة بنقل قوات عمليات خاصة أمريكية من “البرج 22” نحو الأنبار العراقية (حيث أقامت إسرائيل قاعدة سرية). هذا التحرك يفتح الباب واسعاً أمام احتمال أن تكون هجمات الطائرات المسيرة العشرين التي استهدفت الكيان والأردن والسعودية مؤخراً مجرد عملية “راية كاذبة”، خاصة مع نفي المقاومة العراقية مسؤوليتها عنها، سعياً لخلق ذريعة لضربات إسرائيلية داخل العراق.

2. إنذار الباليستي الإيراني فوق كييف: بعد توعد الخارجية الإيرانية بالرد على الهجوم الأوكراني في بحر قزوين، أطلقت قنوات الرصد العسكرية الأوكرانية تحذيرات قصوى باحتمال تعرض العاصمة كييف لضربات باليستية إيرانية متوسطة المدى (تصل إلى 3 صواريخ) خلال الساعات القليلة القادمة، وسط خيارات تتأرجح بين ضرب مواقع عسكرية لصناعة المسيرات أو استهداف سفن تجارية في الموانئ الأوكرانية.

3. تحذير الجولاني وفضائح غراهام: وجهت فصائل المقاومة العراقية رسائل تحذيرية شديدة اللهجة لأبو محمد الجولاني (أحمد الشرع) من أي تحرك ضد حزب الله في لبنان، ليرد الأخير بنفي تدخله العسكري دون استبعاد دعم الحكومة اللبنانية. هذه النوايا تتقاطع مع تسريبات مصورة للراحل ليندسي غراهام وهو يضحك بفرح لقصف إيران ويحرض ترامب قبل وفاته على قصف لبنان وتوسيع الحرب.

الخلاصة والمآلات الاستراتيجية

تثبت المعطيات أن الاستقرار الحالي للموارد والجسر الجوي الأمريكي دون هجمات فورية هو تموضع تكتيكي مدروس بانتظار تبلور نتائج الضغط المالي ونتائج زيارة نتنياهو. واشنطن تلعب ورقة تآكل الاقتصاد الإيراني، فيما تستخدم طهران شلل الممرات البحرية كرافعة ضغط مقابلة.

بناءً على هذه التطورات، قد تشهد الساعات القادمة انتقالاً لنطاق النار خارج الشرق الأوسط، ومن الممكن جداً أن توجه إيران ضربات صاروخية رادعة في العمق الأوكراني لتثبيت معادلاتها. وفي حال أصرت واشنطن على قرصنة الأصول الإيرانية، فإن مضيق هرمز سيتحول إلى منطقة إغلاق عسكري كامل، مما سيطيح بآمال واشنطن في تجنب أزمة طاقة عالمية ويعيد سيناريو العمليات العسكرية المباشرة كخيار إجباري للطرفين.