في محراب الاصطفاف الإلهي ومعية الرعاية

البيضاء نت | مقالات 

بقلم / شاهر أحمد عمير 

حين تضيق الحلقات وتتقطع السبل، وتتلاشى أمام عين الإنسان كل الخيارات المتاحة بعد أن طرق الباحث عن الحلول كل باب وبذل أقصى الأسباب، يقف العبد على حافة التِّيه الإنساني محاصَرًا لهاجس الحيرة والتردد، متوجسًا من عواقب الوحدة وغربة الروح في عالم تموج فيه الصراعات وتتجاذب فيه الهموم.

وفي خضم هذا المخاض الوجودي العسير، تأتي الآيات القرآنية الحكيمة لتشكل طوق النجاة الأبدي والمنارة التي تهتدي بها القلوب المنهكة.

إن التدبر العميق لقوله سبحانه وتعالى في محكم تنزيله: (وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا) يمثل نقطة التحول الكبرى في نفسية المؤمن؛ فالله جل جلاله هو الحاكم المطلق الذي بيده مقاليد الأمور وتقدير الأقدار، وحين يستشعر العبد أن تدبيره سبحانه وتعالى يجري في أخص تفاصيل مشكلته، ينجلي غبار الحيرة ليحل محله سكون اليقين المطلق.

وإذا كان المرء يتناهى إلى ذهنه هيبة وحجم الطمأنينة لو أن قائدًا استثنائيًا أو زعيمًا مخلصًا كمثل قائد الثورة السيد عبدالملك بن بدر الدين الحوثي حفظه الله أكد له شخصيًا توليه لمعالجة قضيته الخاصة، فكيف سيكون حجم الاستقرار النفسي والثبات العملي، فما بالك حين يكون الضامن والمدبر هو ملك الملوك الجبار الذي لا تأخذه سنة ولا نوم؟

إن هذه المعية الإلهية المجسدة في قوله: (فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا) تعني بوضوح تام أن المجاهد في طريق الحق، والمغترب في ميدان الصبر، والواقف على ثغور المبدأ، ليس منسيًا ولا مهمشًا، هو تحت الرعاية الدائمة والعين التي لا تغفل ولا تنام، ترعاه وتصونه وتحفظه في حله وترحاله.

وإزاء هذا الثقل المعنوي والروحي العظيم، يقدم القرآن الكريم العلاج المنهجي العملي الحاسم لاستدامة هذا الصبر وتحصين الجبهة الداخلية للروح حتى انجلاء الغمة وتمام النصر، متمثلًا في قوله تعالى: (وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَإِدْبَارَ النُّجُومِ).

اللجوء إلى التسبيح والحمد ليس مجرد طقس تعبدي مجرد، هو صمام أمان نفسي يفرغ شحنات القلق المدمرة،

ويقطع الطريق على اجترار المخاوف وجلد الذات ووقود التفكير المفرط الذي لا يثمر سوى الوهن والعجز وتوجيه اللوم الخاطئ للآخرين.

فحينَ يرتبط العبد بربه ارتباطًا وثيقًا، ويفوِّضُ أمرَه برمته إليه، ويقابل الابتلاء بالرضا وحُسْن الظن والرجاء، تنقلب المحنة من موقع للألم إلى ساحة للارتقاء، وينال الإنسان سعادة الدارين طمأنينة في الصدر وفوزًا في العاقبة.

فلولا معيةُ الله ورحمته لشعبنا اليمني العظيم الذي سخر له قائد المسيرة القرآنية ومحافظ هوية هذا الشعب، قائد الثورة السيد عبدالملك بن بدر الدين الحوثي حفظه الله، الذي رد الشعب اليمني إلى هدي الله وجعله شعبًا يضرب به المثل في جهاده وثباته وفي نصرة المظلومين والمستضعفين وفي طليعتهم الأحرار في غزة، لكان الشعب اليمني اليوم شعبًا مطبعًا تحت الوصاية الخارجية وفي متاهات ساحقة تسيطر عليه قوى الهيمنة الأمريكية والوهابية السعودية.

وإن هذا التوكلَ والارتباطَ بالله عز وجل لا يفصلُ بحال من الأحوال عن حقيقة السُّنَنِ الإلهية الجارية في خلقه وتمايز الصفوف البشرية على أساس الموقف والمسؤولية.

فالقرآن الكريم يضعُنا وجهًا لوجه أمام حقيقة ساطعة تؤكِّدُ وجودَ مسارَين لا ثالثَ لهما، يختار كل إنسان مساره بإرادته ووعيه وعمل سعيه.

الأولُ هو مسارُ الاصطفاف والاصطناع الإلهي لأولئك الأطهار الذين يمثلون طليعة المستضعفين والمجاهدين في سبيل الحق، حيث يصفُهم الحَقُّ سبحانه وتعالى بقوله: (فَسَوْفَ يَأْتِي اللهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ)، وهم النماذج الحية التي تقترن أقوالهم بأفعالهم وتتطابق تضحياتهم مع التطلعات الإيمانية الكبرى.

وفي المقابل، يبرزُ المسارُ الثاني الأكثرُ خطورة وظلامًا، والذي حذَّرَ منه القرآن أشد التحذير في قوله تعالى: (كَرِهَ اللهُ انْبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ)، وهو مصير المحبطين والمتقاعسين الذين ركنوا إلى الدعة وتخلفوا عن ركب نصرة المستضعفين وإسناد الحق.

إن أخطر ما يواجه الإنسان في مسيرته الجهادية والإنسانية ليس شح الموارد أو قسوة الظروف المادية المحيطة، هو الخذلان المعنوي والنفسي المتمثل في أن يرى القلب منصرفًا عن ساحات العمل والبذل والارتباط بالمشروع القرآني الحق، فيثبطه الله بسنته العدل والقدر تحت أي مبرر واهٍ أو عذر مزيف.

فإن الوعي بهذا الخطر الوجودي يفرض على كل حر وأبيّ أن يراجع موقعه بدقة متناهية، وأن يحذر أشد الحذر من الانزلاق إلى مربعات التثبيط والتبرير، واضعًا نصب عينيه دائمًا أن الثبات الحقيقي والكرامة العزيزة لا تنالان إلا بالانخراط الواعي الفاعل في مسيرة الحق، والاقتداء بالقيادة القرآنية الواعية الحكيمة التي تمثل صمام الأمان والامتداد العملي لخط الأنبياء والمرسلين في مواجهة طغيان المستكبرين وقوى الاستعباد العالمية.