قراءة تحليلية في مضامين كلمة قائد الثورة بمناسبة المولد النبوي الشريف

البيضاء نت | تقرير طارق الحمامي 

جاءت كلمة السيد عبدالملك بدرالدين الحوثي حفظه الله بمناسبة ذكرى المولد النبوي الشريف في سياق إقليمي بالغ التعقيد، تتداخل فيه تداعيات الحرب على فلسطين، والتوترات الإقليمية، والملف اليمني، والصراع مع العدو الصهيوأمريكي،  ولذلك لم تقتصر الكلمة على التهنئة بالمناسبة الدينية، بل قدمت قراءة متكاملة تربط بين الإيمان والهوية والمسؤولية والموقف السياسي، وتجعل من المولد محطة سنوية لإعادة تقييم واقع الأمة وتحديد أولوياتها.

المولد النبوي وتجديد الهوية

احتل مفهوم الهوية الإيمانية موقعاً مركزياً في الكلمة، من خلال التأكيد على أن احتفاء الشعب اليمني بالمولد النبوي يمثل تعبيراً عن ارتباطه بالرسول ورسالته، وترسيخاً لانتمائه الإسلامي،  وبذلك لا ينظر الخطاب إلى المناسبة باعتبارها طقساً احتفالياً عابراً، وإنما باعتبارها فرصة لتجديد الوعي بالرسالة وتحويل الاحتفاء إلى سلوك وموقف، ومن هذه الزاوية، يكتسب وصف المولد بأنه «موسم سنوي للارتقاء الإيماني» دلالة مهمة؛ فالمناسبة، وفق الخطاب، ينبغي أن تنتج أثراً يتجاوز زمن الاحتفال إلى تعزيز العزم والصمود ومواجهة التحديات، ويصبح استحضار سيرة الرسول وسيلة لإعادة بناء العلاقة بين القيم الدينية ومتطلبات الواقع.

من الاحتفال إلى تقييم واقع الأمة

انتقلت الكلمة من الحديث عن المولد إلى الدعوة لإعادة تقييم واقع الأمة الإسلامية، وهي نقلة تكشف البعد الفكري والسياسي للخطاب، فالمشكلة، لا تتمثل فقط في الأزمات التي تواجهها الأمة، وإنما في طبيعة استجابتها لهذه الأزمات، وفي مستوى ارتباطها الواعي برسالتها واستقلال قرارها،  ومن هنا برز مفهوم التحرر من التبعية باعتباره شرطاً لاستعادة القدرة على الفعل، فالخطاب يربط بين التمسك بالرسالة الإلهية وبين رفض الهيمنة الخارجية، ويقدم الاستقلال السياسي والقرار المستقل باعتبارهما امتداداً للهوية الإيمانية.

فلسطين في مركز المسؤولية

احتلت القضية الفلسطينية مساحة أساسية في الكلمة، إذ جرى تقديم معاناة الشعب الفلسطيني في غزة والضفة الغربية والقدس باعتبارها أحد أبرز مظاهر تفريط الأمة في مسؤوليتها،  ولا تتعامل الكلمة مع فلسطين باعتبارها قضية جغرافية منفصلة، وإنما باعتبارها قضية مركزية للأمة، واختباراً عملياً لمفهوم المسؤولية الإسلامية، ولذلك جاء التأكيد على مواصلة مساندة الشعب الفلسطيني والمقاومة، وربط ذلك بالموقف المبدئي الذي يرفض ما يصفه الخطاب بالطغيان الإسرائيلي والأمريكي.

الصهيونية والصراع الإقليمي

يقدم الخطاب الصهيونية باعتبارها مشروعاً يتجاوز حدود فلسطين، ويربطها بمفاهيم السيطرة على المنطقة وإخضاع شعوبها ونهب ثرواتها، مستنداً إلى ما يصفه بمشاريع «تغيير الشرق الأوسط» و«إسرائيل الكبرى»، وفي هذا السياق، يجري وضع التطورات في فلسطين وإيران ولبنان وسوريا والعراق واليمن ضمن إطار إقليمي واحد. ومن أبرز المفاهيم التي تظهر هنا وحدة الساحات، التي تعكس رؤية تعتبر أن الصراعات المختلفة مترابطة، وأن التعامل معها كملفات منفصلة يضعف القدرة على مواجهتها.

«الشدّة» والصمود كخيار سياسي

من أبرز المفاهيم التي ركزت عليها الكلمة الدعوة إلى «الشدّة» في مواجهة الأعداء،  ولم تُطرح الشدة باعتبارها انفعالاً عاطفياً، وإنما جرى تفسيرها بالثبات والصراحة والإعلان والصمود والتضحية، وهنا يتحول الصمود إلى مفهوم مركزي في الخطاب؛ إذ يقدم باعتباره وسيلة لحماية الموقف ومنع فرض الأمر الواقع، كما يربط الخطاب بين الثبات والنتائج، مستشهداً بما يعتبره ثمراً للصمود في إيران ولبنان وفلسطين واليمن.

اليمن بين الاستقلال ومواجهة الضغوط

في الجانب اليمني، أعاد الخطاب تقديم الموقف من زاوية الحقوق والسيادة والاستقلال، مركزاً على الحصار، والثروات الوطنية، والمطارات، والتحشيد العسكري للعدو السعودي، كما أكد استمرار الموقف المعلن تجاه فلسطين، وربط القضية اليمنية بالصراع الإقليمي الأوسع، ويحمل الحديث عن «معادلة الحصار بالحصار» رسالة سياسية وردعية واضحة، مفادها أن استمرار الضغوط لن يؤدي، إلى  التراجع، وإنما  يقابله موقف مضاد، وفي الوقت نفسه، حملت الدعوة إلى الاستعانة بالله وتكثيف الجهود رسالة تعبئة داخلية تقوم على الصمود واستعادة الحقوق.

دلالات الخطاب

تكشف الكلمة في مجملها عن بناء خطابي يقوم على خمس دوائر مترابطة، الرسول والرسالة، ثم الهوية، ثم تحديد مصادر التهديد، ثم المسؤولية والمواجهة، وأخيراً تثبيت الموقف اليمني، وتكمن أهميتها في أنها لا تفصل بين المجال الديني والسياسي؛ فالمولد النبوي يُقدم بوصفه مناسبة لإحياء الإيمان، لكنه في الوقت ذاته يصبح إطاراً لتفسير الأحداث وتحديد المواقف تجاه فلسطين والصراع الإقليمي والقضية اليمنية، كما أن الخطاب يوجه رسائل متعددة المستويات،  رسالة داخلية تؤكد الهوية والتماسك والصمود، ورسالة إقليمية تؤكد استمرار الارتباط بقضية فلسطين، ورسالة خارجية ترفض الهيمنة الأمريكية والإسرائيلية وتؤكد استمرار الخيارات المعلنة.

ختاما ..

يمكن القول إن كلمة قائد الثورة بمناسبة المولد النبوي الشريف قدمت المناسبة باعتبارها محطة إيمانية لإعادة بناء الوعي وتقييم واقع الأمة وتأكيد الهوية وتحديد المسؤولية تجاه قضاياها،
وبذلك انتقل الخطاب من استحضار السيرة النبوية إلى قراءة الواقع، ومن الاحتفاء بالرسول إلى الحديث عن مسؤولية أتباعه، ومن الهوية إلى الاستقلال، ومن فلسطين إلى الصراع الإقليمي، ومن الموقف السياسي إلى الدعوة للصمود، وعليه، فإن الرسالة المركزية للكلمة تتمثل في أن المولد، وفق الرؤية التي يطرحها الخطاب، ليس استذكاراً للماضي فحسب، وإنما مناسبة لاستلهام الرسالة في مواجهة تحديات الحاضر وتحديد اتجاه المستقبل، عبر مفاهيم الإيمان والهوية والاستقلال ونصرة فلسطين والصمود في مواجهة الضغوط.