صمتُ الشرفاء أبلغ من ثرثرة العملاء

البيضاء نت | مقالات 

بقلم / علي عبدالمغني 

منذ أن فرضت القواتُ المسلَّحةُ اليمنيّةُ معادلةَ (الحصارِ بالحصارِ، والمطارِ بالمطارِ، والتصعيدِ بالتصعيدِ) على العدوِّ السعوديِّ، لا يمرُّ يومٌ واحدٌ إلا وهناكَ تصريحٌ أو بيانٌ لأدواتِه المحليّةِ تُؤكِّدُ فيه أنّها مهيَّأةٌ للمعركةِ، وأنَّ “تحريرَ” صنعاءَ قابَ قوسينِ أو أدنى، وفجأةً نسمعُهم جميعًا يصرخونَ وجاعًا من صنعاءَ، وعلى كافةِ وسائلِ الإعلامِ المحليّةِ والإقليميّةِ، ويتَّهِمُ بعضُهم بعضًا بالخيانةِ، ويتحدَّثونَ عن هجماتٍ غادرةٍ وجبانةٍ، كأنّهم كانوا من قبلُ على قلبِ رجلٍ واحدٍ، أو في إجازةٍ مفتوحةٍ.

صنعاءُ المنوَّرةُ لم تعبأْ بضجيجِهم ونُباحِهم وصراخِهم وثرثرتِهم الواسعةِ؛ فهي تُدركُ أنَّ الصمتَ أبلغُ من الكلامِ في هذه المرحلةِ، ولا ريبَ أنَّ صمتَها أصابَ العملاءَ والخونةَ بهزيمةٍ نفسيّةٍ ومعنويّةٍ قبل أن تبلغَهم الأخبارُ من الميدانِ، وجعلَهم يتبادلونَ الاتهاماتِ والرواياتِ المتناقضةِ، ولأوّلِ مرّةٍ يفكِّرُ بعضُ المرتزقةِ تفكيرًا صحيحًا، ويفنِّدونَ حججَ بعضِهم الواهيةَ، ويكذِّبونَ مبرِّراتِهم السخيفةَ.

أمّا القنواتُ العِبريّةُ الناطِقةُ بالعربيّةِ مِنَ الرّياضِ وأبي ظبيَ والدوحةِ؛ فلا تزالُ كعادتها تُحدِّثُ عن انتصاراتٍ ساحقةٍ، وتكبُّدِ القوّاتِ المهاجمةِ خسائرَ فادحةً، ولا ريبَ أنّ هذه القنواتِ المتصهينةَ قد أُولِعَت بالكذبِ والتضليلِ والفبركةِ، وتحاولُ جهدَها أن ترفعَ معنويّاتِ ابنِ سلمانَ وابنِ زايدَ المنهارةِ.

لم تَعُدْ تستحي هذه القنواتُ المتصهينةُ وهي على بُعْدِ ساعاتٍ فقط من الحقيقةِ، الموثَّقةِ لدى صنعاءَ بالصوتِ والصورةِ؛ فالأمرُ ليس كما تُصوِّرُه قنواتُ “الجزيرةِ والعربيّةِ والحدثِ” من كونه مُناوشةً أو مُناورةً أو تَبَّةً مرتفعةً، فإنَّ صراخَ المرتزقةِ يُؤكِّدُ أنّ الأمرَ أعظمُ من ذلك أضعافًا مضاعفةً، وكما يقولُ المثلُ الشعبيُّ اليمنيُّ: (ما يتأخّرُ السيلُ إلّا مِن كِبَرِه).

فقد تجاوزت صنعاءُ، بحمدِ اللهِ، مرحلةَ المناوراتِ والمناوشاتِ المحدودةِ، ودخلتْ مرحلةَ التصفيةِ الأخيرةِ، وهناكَ أخبارٌ سارّةٌ تُثلِجُ قلوبَ جميعِ اليمنيّينَ -إن شاءَ اللهُ تعالى- وانضباطُ جبهةِ صنعاءِ الإعلاميّةِ، وعدمُ إفصاحِها عن أيِّ معلومةٍ، يُؤكِّدُ انضباطَ سائرِ الجبهاتِ الأُخَرِ، ويُبشِّرُ بأنَّ الأمورَ سائرةٌ في الجادّةِ الصوابِ والاتجاهِ الصحيح، ومُحقِّقةٌ للنتائجِ المطلوبةِ، واضطرابُ العملاءِ والخونةِ على وسائلِ الإعلامِ ومواقعِ التواصلِ الاجتماعيِّ، يُؤكِّدُ مقدارَ الصدمةِ التي تلقَّوها خلالَ الساعاتِ الماضيةِ.

صمتُ صنعاءَ له دلالةٌ عظيمةٌ، وتوقيتُها لتنفيذِ هذه العمليّاتِ الجراحيّةِ الدقيقةِ يُؤكِّدُ أنّ اللهَ سبحانهُ وتعالى هو الذي يُهيِّئُ الأسبابَ كافّةً، ويُحدِثُ المتغيِّراتِ التاريخيّةَ، وهكذا إذا كانت هناك قيادةٌ ربّانيّةٌ حكيمةٌ، التزمَ الناسُ بتوجيهاتها وتعليماتها حرفًا بحرفٍ، صار كلُّ شيءٍ ذا دلالتِهِ وأهمّيّتِهِ؛ فالزمانُ له دلالةٌ بيِّنةٌ، والمكانُ له أهمّيّةٌ استثنائيّةٌ، والصمتُ في هذه المرحلةِ أبلغُ من الثرثرةِ، إنّ في ذلك لآياتٍ لقومٍ يتفكّرون.

* أمين عام مجلس الشورى