تهديدات “الإبادة” وتجدد زحف الأساطيل: ترمب ينسف الدبلوماسية والمنطقة على شفير الحرب الشاملة 

المشهد الاستراتيجي والجيوسياسي العام

البيضاء نت | تقرير طلال نخلة 

مع دخولنا اليوم الـ215 للحرب (واليوم الـ106 لسقوط مذكرة التفاهم)، وصل التصعيد الكلامي بين واشنطن وطهران إلى مستويات تنذر بانفجار شامل، إذ لوّح الرئيس الأمريكي دونالد ترمب صراحةً بإمكانية استئناف الهجمات بعد انتخابات التجديد النصفي مهدداً بـ “إبادة إيران”. يُقابَل هذا التهديد بحشد بحري وجوي أمريكي متسارع نحو الشرق الأوسط يعيد إلى الأذهان التحشيد الضخم الذي سبق اندلاع الحرب في كانون الثاني/يناير وشباط/فبراير الماضيين، حيث تتدفق حاملات طائرات إضافية ومجموعات إنزال برمائي لتعزيز الطوق الناري حول المنطقة.
وفي حين تؤكد إيران تسلّمها رداً أمريكياً رسمياً على مقترحاتها، تتصاعد الضربات الصاروخية اليمنية على المنشآت النفطية والقواعد العسكرية السعودية، وسط تحذيرات أمنية من وكالة سلامة الطيران الأوروبية بشلل الحركة الجوية فوق سماء المنطقة بأكملها.

أولاً: تهديدات ترمب و”المأزق” الدبلوماسي

تصعيد كلامي يمهد للنار: هدد دونالد ترمب بإمكانية استئناف الهجمات العسكرية ضد إيران بعد انتخابات التجديد النصفي الأمريكية في تشرين الثاني/نوفمبر المقبل، مستخدماً تعبيراً شديد الخطورة يتمثل في إمكانية “إبادة إيران”. هذا الخطاب يغلق فعلياً نوافذ الوسطاء الذين يسابقون الزمن لمنع التدحرج نحو حرب مفتوحة.

رفض المقترح وتصلب المواقف: اعترف ترمب برفضه القاطع للمقترح الإيراني بشأن هرمز، مؤكداً أن ما رفضه قبل عام لن يقبله اليوم. من جهته، صرح الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان أن طهران “لا تتهرب من المحادثات”، إلا أن استمرار الهجمات ونقض العهود يقوّض الثقة تماماً. وفي غمرة هذا التراشق، تسلّمت السلطات الإيرانية الرد الأمريكي الرسمي على مقترحها لإنهاء الحرب، وسط تكتم على تفاصيله.

طرد الوفد الإيراني: في مؤشر على الانهيار الدبلوماسي الكامل، كشف موقع “أكسيوس” أن وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو طلب من الوفد الإيراني مغادرة الولايات المتحدة فوراً بعد انتهاء اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة.

ثانياً: استئناف التحشيد العسكري الأمريكي (Military OSINT)
تشير التحركات العسكرية الأخيرة إلى إعادة بناء القوة الضاربة تحضيراً لسيناريوهات هجومية، في تكرار لسيناريو التحشيد الذي سبق حرب شباط/فبراير:

ثلاث حاملات طائرات ومجموعات إنزال: غادرت حاملة الطائرات Theodore Roosevelt ومجموعتها الضاربة، إضافة إلى مجموعة الإنزال البحري Makin Island، قاعدة سان دييغو متجهة نحو الشرق الأوسط. وبحلول نهاية تشرين الثاني/نوفمبر، سيتمركز في محيط إيران 3 حاملات طائرات ومجموعتا إنزال برمائي، مدعومة بأكثر من 2000 جندي من مشاة البحرية (المارينز)، لتأمين خيارات هجومية متعددة للقيادة المركزية.

تحركات جوية وعمليات خاصة: تستمر طائرات النقل التكتيكي (C-130H) بالتدفق نحو المنطقة. واللافت هو توثيق هبوط طائرة (MC-130) تابعة لقيادة العمليات الخاصة الأمريكية (AFSOC) وطائرة أخرى في قاعدة حامات اللبنانية، مما يشير إلى إنشاء محطات استخباراتية أو عقد لوجستية متقدمة.

عجز الذخائر الاستراتيجية: رغم هذا الاستعراض، أقر ترمب بوجود أزمة حقيقية في انخفاض مخزونات الذخائر الحساسة في ترسانات البنتاغون، خصوصاً الصواريخ الاعتراضية لمنظومتي “باتريوت” و”ثاد”، مشيراً إلى محاولات بناء مصانع جديدة لتدارك هذا النقص.

ثالثاً: الجبهة الخليجية.. أنصار الله يعمقون جراح السعودية

من ينبع إلى بقيق: رداً على 35 غارة جوية سعودية أخيرة (ليرتفع الإجمالي إلى 1158 غارة)، وسّع أنصار الله دائرة النار. استُهدف ميناء ينبع واندلعت حرائق في خزانات النفط، وشملت الضربات تبوك وجدة والطائف. التطور الأخطر كان قصف منشآت النفط في “بقيق” والمنطقة الشرقية كـ”رسالة تحذيرية” ميدانية تمنع السعودية من إصلاح خط أنابيب “شرق-غرب” المدمر.

انهيار الجبهات الوكيلة: سُجل انسحاب آخر لواء موالٍ للسعودية من التربة بمحافظة تعز، ليُحكم الحوثيون سيطرتهم عليها بالكامل.

تشويش جوي واستهداف في هرمز: تعطلت الملاحة الجوية جنوب السعودية مع بقاء طائرات متجهة لأبها في حالة دوران متواصل بسبب تشويش مجهول. بحرياً، استُهدفت سفينة تجارية قبالة خصب العمانية في مضيق هرمز بمقذوف مجهول، ما أبقى الممر المائي مغلقاً بالنار.

رابعاً: شلل الطيران واشتعال الجبهات الرديفة

تمديد التحذيرات الأوروبية: وسّعت وكالة سلامة الطيران الأوروبية (EASA) تحذيراتها بمنع التحليق في مساحات واسعة من الشرق الأوسط (بما فيها لبنان، إيران، العراق، والسعودية) حتى 16 تشرين الثاني/نوفمبر، ما يعزل المنطقة جوياً.

أصابع طهران في بريطانيا: صرح رئيس الوزراء البريطاني آندي بيرنهام بوجود اعتقاد بتورط إيران في الحادثة الأمنية التي ضربت قاعدة “فيرفورد” الجوية، والتي تُعد منصة الانطلاق الرئيسية للقاذفات الاستراتيجية نحو الشرق الأوسط، ما يعني أن طهران بدأت بتفعيل خلاياها لضرب القواعد الغربية في عقر دارها.

جبهة لبنان: استمر جيش الاحتلال الإسرائيلي في تطبيق سياسة “الأرض المحروقة” جنوباً عبر تفخيخ المنازل في الخيام وقصف مناطق النبطية، في محاولة للحفاظ على وتيرة استنزاف لا ترقى لحرب برية شاملة. في المقابل، بارك حزب الله للعراق “خروج القوات الأمريكية”، في رسالة تؤكد استمرار ترابط الساحات.

الموقف الروسي: دخل فلاديمير بوتين على خط التوتر، محذراً الغرب من اللعب بالنار في بحر البلطيق، ومؤكداً أن مقترح موسكو لنقل اليورانيوم الإيراني المخصب إلى روسيا لا يزال مطروحاً كحل دبلوماسي، في حال تراجعت واشنطن عن خيار المواجهة.

الخلاصة والمآلات
المنطقة تتجاوز نقطة اللاعودة الدبلوماسية. التحشيد البحري الأمريكي الجديد، وإن كان تكراراً لسيناريو ما قبل حرب شباط/فبراير، يحمل هذه المرة طابعاً مختلفاً؛ إذ يأتي في ظل استنزاف حاد لبطاريات الدفاع الجوي الأمريكي وتهديد إيراني معلن بـ “الضربة الاستباقية”.
الولايات المتحدة تؤجل ساعة الصفر إلى ما بعد الانتخابات النصفية في تشرين الثاني/نوفمبر، لكن هذا التأجيل قد لا يكون متاحاً إذا قرر محور المقاومة تسريع الانهيار الاقتصادي لحلفاء واشنطن، خاصة بعد وصول صواريخ صنعاء إلى قلب منشآت “بقيق” في المنطقة الشرقية، ما يجعل شتاء 2026 محطة حاسمة لمستقبل الطاقة والهيمنة في غرب آسيا.