ذكرى الجلاء.. تحرُّرٌ من الاحتلال قديمه وحديثه
البيضاء نت | مقالات
بقلم / حاتم الأهدل
في الثلاثين من نوفمبر من كُـلّ عام، يحتفل الشعب اليمني بذكرى عيد الجلاء، وهي الذكرى المجيدة التي غادر فيها آخر جندي بريطاني أراضي جنوب اليمن عام 1967، ليُطوى بذلك صفحة امتدت لأكثر من مئة وعشرين عامًا من الاحتلال البريطاني لعدن.. كان هذا اليوم تتويجًا لكفاحٍ طويل ومرير خاضته حركات المقاومة الوطنية، مثل الجبهة القومية للتحرير، التي استطاعت بثباتها أن تحقّق النصر وتؤسس جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبيّة.
بعد الاستقلال، تحقّقت الوَحدةُ اليمنية في مايو 1990، لكن هذا الحلم واجه تحديات جسيمة منذ ولادته.
جاءت الوحدة في ظل ظروف صعبة، حَيثُ تم دمج كيانين مختلفين تمامًا على المستويين السياسي والإداري، وسط متغيرات إقليمية ودولية عصيبة.
لم تنجح المؤسّسات الناشئة في إدارة الخلافات، مما أَدَّى إلى صراعات داخلية أضعفت الدولة الفتية وحلم الوحدة العظيم.
اليوم، وبينما يستذكر اليمنيون انتصار أجدادهم على المحتلّ البريطاني، فَــإنَّهم يواجهون واقعًا معقدًا تتقاطع فيه المصالح الإقليمية.
فقد برز دور للسعوديّة والإمارات في المشهد اليمني، حَيثُ يرى مراقبون أن لهذين البلدين أجندة تهدف إلى منع قيام يمنٍ مستقل وقوي يمتلك قراره وسيادته.
ويتجلى هذا، وفقًا لهم، من خلال السيطرة على الموانئ والجزر الاستراتيجية، مثل سقطرى وميون، والتحكم بالموارد الاقتصادية، وإدارة فصائل مسلحة، مما يخلق واقعًا جديدًا يشبه الوصاية على القرار اليمني.
إن الروح ذاتها التي حاربت الاستعمار البريطاني، والقناعة التي تُترجَم اليوم بدعم اليمن الثابت للشعب الفلسطيني في غزة، هي نفسها التي ترفض أي شكل من أشكال الهيمنة على أراضيها.
فالشعب الذي يدعم قضية تحرّر فلسطين بكل ما يملك، هو الأقدر على الدفاع عن سيادة أرضه وثرواته.
إن دعم فلسطين ليس شعارًا فارغًا، بل هو جزء من هُوية اليمن الرافضة للظلم والاحتلال.
ولا تزال روح المقاومة متجذرة في النسيج الاجتماعي اليمني، وهو ما تظهره حالات الاستنفار والتعبئة التي تشهدها العديد من المناطق والقبائل، خَاصَّة في الشمال.
هذه التحَرّكات هي استمرار لإرث كفاحي طويل، وتعبير واضح عن رفض الشعب اليمني للتدخلات الخارجية، واستعداده الدائم للدفاع عن أرضه وكرامته.
ختامًا، فَــإنَّ ذكرى الثلاثين من نوفمبر ليست مُجَـرّد حدث تاريخي، بل هي رسالة حية ومُستمرّة.
إنها تجديد للعهد بأن الشعب اليمني، الذي دفع ثمنًا باهظًا؛ مِن أجلِ حريته، لن يسمح بتكرار أي شكل من أشكال السيطرة الأجنبية.
فمعركة التحرير لم تنتهِ عام 1967، بل إن فصلًا جديدًا منها قد يبدأ لاستكمال تحرير كُـلّ شبر من أراضي اليمن الطاهرة.