رمضان الأغر: ربيع النفوس وزكاة الأرواح
البيضاء نت | مقالات
بقلم / نبيل الجمل
بينما نعيشُ بظِلال شهر شعبان الأغر، ونستنشقُ من نسائمه عبيرَ القرب، تخفقُ القلوبُ شوقًا لاستقبال ضيفٍ عزيز، وموسمٍ عظيم، هو “شهر الله” “شهر القرآن” الذي اصطفاه على سائر الشهور، وجعل أوله رحمةً، وأوسطه مغفرةً، وآخره عتقًا من النار.
نحن اليوم على أعتابِ مدرسةِ الإيمان الكبرى، شهرِ رمضان المبارك، الذي نزل فيه الروح الأمين بآياتِ الذكر الحكيم هدىً للناس وبيناتٍ من الهدى والفرقان، حَيثُ يقول الحق سبحانه وتعالى في محكم تنزيله: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ القرآن هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَىٰ وَالْفُرْقَانِ ۚ فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾.
معراج الأرواح وضيافة الخالق
إن رمضان ليس مُجَـرّد كفٍّ عن الطعام والشراب، بل هو معراجٌ للأرواح، وزكاةٌ للنفوس، وتصفيةٌ للقلوب من كدر الدنيا وشوائب الذنوب.
هو الشهر الذي تسمو فيه الجوارح، فيصومُ اللسانُ عن اللغو، والسمعُ عن الفحش، والبصرُ عن الحرام.
وقد رُوي عن الرسول الأعظم، والنبي الخاتم محمد -صَلَّى اللهُ عَـلَيْـهِ وَعَـلَى آلِـــهِ الطاهرين- في خطبته الشهيرة في استقبال هذا الشهر: “أيها الناس، إنه قد أقبل إليكم شهر الله بالبركة والرحمة والمغفرة، شهر هو عند الله أفضل الشهور، وأيامه أفضل الأيّام، ولياليه أفضل الليالي، وساعاته أفضل الساعات، هو شهر دعيتم فيه إلى ضيافة الله، وجعلتم فيه من أهل كرامة الله، أنفاسكم فيه تسبيح، ونومكم فيه عبادة، وعملكم فيه مقبول، ودعاؤكم فيه مستجاب”.
محراب التربية وجهاد النفس
وفي محراب هذا الشهر الكريم، تتجلى عظمةُ الصوم بصفته جهادًا للنفس، وميدانًا للتربية على استشعار معاناة المحتاجين والفقراء؛ ففيه يذوقُ الغنيُّ طعم الجوع ليذكرَ بطونًا خاويةً لا تشبع طوال العام، فتفيضُ كفهُ بالصدقاتِ التي تتضاعف أجورها، وتغدو أعمالُ البر فيه قرابين تزلفًا للخالق.
وقد سار وصيُّه أمير المؤمنين علي بن أبي طالب -عليه السلام- على ذات النهج، مبينًا أن حقيقة الصوم هي صوم القلب، حَيثُ يقول: “صِيامُ القَلْبِ عَنِ الفِكْرِ في الآثامِ أفضل مِنْ صِيامِ البَطْنِ عَنِ الطَّعامِ”، وكان يحثُّ على اغتنام لياليه وخُصُوصًا “ليلة القدر” التي هي تاجُ الزمان وخيرٌ من ألف شهر، الليلة التي تضيقُ الأرض فيها بالملائكة، وتتنزل فيها الأرزاق والآجال والرحمات.
رمضان.. شهر الفتوحات واليقين
ولا يكتملُ بهاءُ رمضانَ إلا بذكره شهرًا للجهاد والفتوحات؛ ففيه سُطرت أعظم الملاحم في تاريخ الإسلام، حَيثُ كانت غزوات النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- دروسًا في الثبات واليقين، تؤكّـد أن الصيام يمدُّ المؤمن بقوة الروح وقوة البدن لا الوهن والضعف.
فما أجمل أن نستقبل هذا الشهر بتوبةٍ صادقة، وعزيمةٍ وثابة، وقلوبٍ متآلفة، سائلين الله العظيم أن يوفقنا لصالح الأعمال، وأن يتقبل منا الصيام والقيام، ويجعلنا من عتقائه من النيران، ويمنَّ على الأُمَّــة الإسلامية بالأمن والنصر والتمكين.