“مجلس السلام” في غزة.. الاسم المزيّف لمشروع إخضاع جديد
البيضاء نت | مقالات
بقلم / مبارك حزام العسالي
ليس جديدًا أن تُستعمل كلمة “السلام” كغطاء لفرض وقائع سياسية صنعتها الحرب.
لكن الجديد اليوم هو محاولة تسويق ما يُسمّى بـ“مجلس السلام” كأنه طوق نجاة لغزة، بينما تكشف القراءة المتأنية أنه قد يكون أدَاة لإعادة إنتاج السيطرة بصيغة أكثر نعومة وأقل كلفة على الاحتلال، وأقل إحراجًا لحلفائه الدوليين.
بعد حرب مدمّـرة وحصار خانق، يُطرح كيان دولي يُمسك بمفاصل الإدارة والإعمار والأمن، تحت إشراف مباشر من الولايات المتحدة وبمشاركة أطراف حليفة لـ (إسرائيل).
السؤال البديهي هنا: أي سلامٍ هذا الذي يولد من رحم التفوق العسكري لطرف واحد، ويُصاغ وفق معاييره الأمنية والسياسية، ثم يُقدَّم للعالم بوصفه “فرصة تاريخية”؟
من إنهاء الاحتلال إلى “إدارة الهدوء”
أخطر ما في المشروع ليس عنوانه، بل فلسفته العميقة.
فبدلًا من الحديث عن إنهاء الاحتلال ورفع الحصار وضمان الحقوق الوطنية غير القابلة للتصرف، يجري اختزال القضية إلى “ضبط الأمن” و”منع التهديدات” و”تحسين الوضع الإنساني”.
هكذا يُعاد تعريف الصراع من كونه قضية تحرّر وطني إلى مُجَـرّد مشكلة استقرار أمني ينبغي احتواؤها.
بهذه المعادلة، يصبح المطلوب من غزة أن تُسلّم مفاتيح قرارها السياسي والأمني مقابل وعود بالإعمار، وتحت رقابة خارجية تُحدّد ما هو مقبول وما هو مرفوض، وفق اعتبارات أمنية تتماهى إلى حَــدّ كبير مع الرؤية التي تطرحها (إسرائيل).
يتحول الإعمار من حق طبيعي لشعب منكوب إلى أدَاة ابتزاز سياسي مشروطة بسلوك محدّد سلفًا.
سلام بشروط أمريكا وَ(إسرائيل)
عندما يُربط أي مسار سياسي بنزع سلاح طرف بعينه، أَو بإعادة هندسة الإدارة المحلية بما يتوافق مع الرؤية الأمنية لـ (إسرائيل)، فنحن أمام صيغة “استسلام مُجمَّل” لا سلام عادل.
فالسلام الحقيقي يُبنى على توازن حقوق واعتراف متبادل، لا على تكريس ميزان قوة فرضته الحرب.
إن فرض مجلس دولي لإدارة شؤون قطاع بأكمله يعني عمليًّا انتزاع القرار من أهله، ووضعه في يد منظومة دولية تتحَرّك وفق حسابات جيوسياسية معقّدة، لا وفق أولويات الشعب الواقع تحت الحصار.
ومع الوقت، قد تتحول هذه الإدارة إلى مرجعية أعلى من أي مؤسّسة فلسطينية، بما يخلق واقعًا سياسيًّا جديدًا يصعب التراجع عنه، ويمنح (إسرائيل) بيئة مريحة لإدارة المشهد من الخلف.
إعادة تعريف السيادة.. وتدويل القرار
المشروع، بصيغته المتداولة، لا يقتصر على إعادة إعمار البنية التحتية، بل يمتد إلى إعادة تشكيل البنية السياسية ذاتها.
من يراقب التمويل يراقب القرار، ومن يضع شروط الدعم يضع حدود الحركة.
هكذا تنتقل السيادة من كونها حقًّا وطنيًّا إلى كونها ملفًا إداريًّا خاضعًا للمراجعة الدولية، تُصاغ معاييره وفق أولويات القوى الكبرى وفي مقدمتها الولايات المتحدة وحليفتها (إسرائيل).
هذا النموذج يعيد إنتاج مفهوم “الوصاية الناعمة”، حَيثُ لا وجود لاحتلال مباشر بالمعنى التقليدي، لكن توجد منظومة رقابة وتحكم تُمسك بمفاتيح الاقتصاد والمعابر والأمن، وتُبقي القرار المحلي ضمن هامش ضيق لا يتجاوز الخطوط المرسومة خارجيًّا، بما يضمن أمن (إسرائيل) واستقرارها قبل أي اعتبار آخر.
إعادة تشكيل المنطقة من بوابة غزة
لا يمكن قراءة “مجلس السلام” بمعزل عن مشروع أوسع لإعادة ترتيب الإقليم.
فالولايات المتحدة تسعى إلى تثبيت نفسها كصاحبة اليد العليا في إدارة ملفات الشرق الأوسط، ومنع أي فراغ قد تملؤه قوى دولية منافسة.
أما (إسرائيل)، فتكسب من هذه الصيغة أكثر من مُجَـرّد تهدئة مؤقتة؛ فهي تسعى إلى بيئة أمنية منزوعة المخاطر، تُدار بغطاء دولي، وتُحمَّل مسؤولية الاستقرار إلى أطراف متعددة، بدلًا من أن تبقى وحدها في دائرة المساءلة السياسية والقانونية أمام المجتمع الدولي.
السلام الحقيقي.. من يحدّده؟
لا خلاف على أن غزة بحاجة ماسة إلى إعادة إعمار شاملة، لكن الإعمار الذي يُفصل عن الحقوق السياسية، ويُقدَّم بديلًا عنها، يتحول إلى عملية تجميل لواقع مختل يخدم عمليًّا تثبيت الأمر الواقع الذي فرضته (إسرائيل) بالقوة.
يبقى السؤال الجوهري مفتوحًا: هل “مجلس السلام” خطوة نحو عدالة تاريخية تُنهي جذور الصراع، أم محاولة لإعادة إخضاع غزة سياسيًّا وأمنيًّا تحت عنوان أقل صخبًا من الحرب وأكثر فاعلية في تثبيت نتائجها بما يضمن أمن (إسرائيل) ويُبقي الفلسطينيين داخل معادلة مفروضة؟
الإجَابَة لن تحدّدها البيانات الرسمية، بل طبيعة الصلاحيات الفعلية، وهُوية من يملك القرار، وما إذَا كان الشعب الفلسطيني شريكًا حقيقيًّا في صياغة مستقبله أم مُجَـرّد طرف يُطلب منه التكيّف مع ترتيبات صيغت خارجه.