مضيق هرمز ينهي ما بقي لأمريكا من وهم القوة

البيضاء نت | تقرير وديع العبسي

 

ما بات يُطرح بإلحاح على المجرم “ترامب” منذ بدأت الهجمات الإيرانية تؤتي أُكلها هو جبهة “مضيق هرمز” المشتعلة، والذي خيم إغلاقه بظلال قاتمة على سوق الطاقة، بما يعنيه ذلك من آثار على الاقتصاد العالمي. وعلى ذات النفسية المسلوبة من حكمة التقدير والاستغراق في وهم العظمة، لجأ “ترامب” إلى تهوين قدرة الجمهورية الإسلامية بكونها خارج دائرة امتلاك القرار في المضيق. “ترامب” (مُحدِّث الإرهاب حول العالم) سوّق أيضاً أنه بمقدوره إنهاء الإغلاق في لحظة، إلا أنه لا يفعل.

صفعة قوية ومدوية

التداعيات ببُعدها الإقليمي والعالمي تشير إلى أن استخدام إيران للمضيق كان صفعة قوية ومدويّة، أكدت قدرة الأمة الإسلامية بأن تكون كياناً فاعلاً في السياسة الدولية وحركة التجارة العالمية، ولأجل ذلك ظل لُعاب الطامعين على الدوام يسيل على كل المنطقة التي حباها الله بنعمة الثروات والجغرافيا.

وقُبيل تنفيذ العملية الإرهابية حذر العسكريون الأمريكيون الرئيس “ترامب” من إمكانية توجُّه طهران -عملياً- إلى تفعيل ورقة المضيق، أهم ممر ملاحي في العالم وتعطيله، ورغم أن ترامب لم يستبعد ذلك، إلا أن تركيبة شخصيته -التي يحتل الغرور والغطرسة نسبة كبيرة منها- دفعته لاتخاذ قرار المغامرة، مراهِناً على عاملين أخبر بهما فريقه -حسب صحيفة “وول ستريت جورنال”-؛ الأول: أن طهران ستستسلم -على الأرجح- قبل إغلاق المضيق، والثاني: أنه حتى لو حاولت، فإن الجيش الأمريكي قادر على التعامل مع الموقف، حسب تصوره.

وزاد من عُقم هذه الحسابات، الاستخفاف بتحذيرات قادة الجمهورية الإسلامية بهذا الشأن، وهي التي ظلت طويلاً حريصة على ضمان سلاسة حركة المضيق وتدفق التجارة والطاقة عبره. وفي منتصف فبراير الماضي أكد الأدميرال علي رضا تنكسيري قائد القوة البحرية لحرس الثورة بوضوح، أن مضيق هرمز بات يخضع لرقابة استخباراتية إيرانية متواصلة على مدار الساعة، تشمل السطح والجو وحتى ما تحت سطح البحر، مشدداً على أن هذا الإشراف الكامل يهدف إلى ضمان أمن هذا الممر المائي الحيوي.

تغريد خارج الأحداث

محاولات “ترامب” طمأنة العالم بشأن المضيق تأتي -كُليّة- خارج سياق الأحداث، وهو أمر تقف عليه دول العالم المتضررة من تناقص كميات النفط والغاز، وارتفاع أسعارهما. بينما إيران أعلنت بثقة أن المضيق يخضع بالكامل لإدارة قواتها “دون أي لحظة غفلة”، و”السيطرة على الممر الاستراتيجي مستمرة بشكل كامل”، ولا مجال لعبور السفن المرتبطة بأمريكا وحلفائها. وبين السرديتين، إيران تكسب.

أما الحرب النفسية -بشكلها التقليدي- التي يشنها “ترامب” بشأن المضيق فقد تبين أنه ليس لها أي تأثير، فضلاً عن فشل تحركه لاحتلال المضيق، وعجزه عن مرافقة أي ناقلات رغم إعلانه ذلك. وأكد المتحدث باسم مقر خاتم الأنبياء المركزي أنّ المنطقة لم تشهد عبور أيّ سفينة تحت الحراسة الأمريكية.

وكان المتحدث باسم الحرس الثوري الإيراني، علي نائيني، نفى ادعاء “ترامب” وما زعمه وزير الطاقة الأميركي، كريس رايت، من أنّ “البحرية الأميركية نجحت في مرافقة ناقلة نفط عبر مضيق هرمز”. وحذر نائيني من أنه “سيتم إيقاف أي تحرك للأسطول الأميركي وحلفائه”. الأمر الذي دفع كريس رايت لحذف منشوره بهذا الخصوص. بينما أكد البيت الأبيض -في بيان- أن القوات الأمريكية “لم ترافق” أي ناقلة نفط عبر مضيق هرمز.

وإلى ذلك حذر مقر خاتم الأنبياء ناقلات النفط والسفن التجارية من عبور مضيق هرمز دون الالتزام بقوانين الجمهورية الإسلامية في ظل ظروف الحرب. كما أكد ‘في بيان- أن “أي سفينة تكون حمولتها النفطية أو السفينة نفسها مملوكة للولايات المتحدة أو الكيان الصهيوني أو حلفائهما المعادين، ستُعتبر أهدافاً مشروعة”. فيما شدد قائد القوات البحرية للحرس الثوري علي رضا تنغسيري على أن “أي سفينة تنوي المرور يجب عليها الحصول على إذن من إيران”.

إغلاق المضيق “نتيجة” وليس “سبباً”

الأكيد أن هذا الواقع والفوضى الأمنية وأزمة الطاقة، إنما صنعه العدوان الأمريكي الإسرائيلي. من هنا لم تكن الجمهورية الإسلامية -التي تتعرض لعملية إرهابية- “بحاجة إلى إغلاق المضيق” كخيارٍ أولي، بل إنّ ما قامت به الولايات المتحدة والكيان الصهيوني هو ما دفع لهذا الواقع، حسب المتحدّث باسم مقر “خاتم الأنبياء المركزي”. وقد أكد المسؤولون الإيرانيون أكثر من مرّة أنّ طهران لم تغلق مضيق هرمز، ولكنه مغلق بسبب الحرب التي افتعلتها واشنطن “وإسرائيل”.

قدرة الردع الإيرانية -إذن- تجاوزت ما كانت تتصور أمريكا والمخدوعون بجيشها “الاصطناعي” أنها حقائق لجهة قوته وقدرته المطلقة على فعل كل شيء، بل وحتى هالته الرادعة لكل من يتجرأ على استهدافه أو أحد الحلفاء. فالجمهورية الإسلامية قررت، فمنعت مرور “حتى لتر واحد من النفط” لصالح الولايات المتحدة والكيان “الإسرائيلي” المحتل وشركائهما عبر المضيق الاستراتيجي. وهذا هو نتيجةٌ وليس سبباً، ولذلك ينحشر المعتدون اليوم في الوصم بالبلطجة وإقلاق الأمن العالمي وعدم الاعتبار لأي أحد.

ويؤكد أمين عام مجلس الأمن القومي الإيراني علي لاريجاني بأن المضيق إما أن يكون انفراجاً للجميع أو يتحول إلى مضيق اختناق للحالمين بالحرب. بينما وضع الحرس الثوري شرط طرد السفير الإسرائيلي من البلدان الراغبة بعبور المضيق.

“أبراهام لنكولن” ولّت مدبرة

حاولت أمريكا السيطرة على المضيق بشتّى الطرق، واستعانت بتصريحات “ترامب”، والترهيب بحاملة الطائرات “لنكولن”، غير أن فقاعات الرئيس الأمريكي تبخرت، و”لنكولن” ولّت مدبرة -إثر هجمات البحرية الإيرانية- مبتعدةً أكثر من ألف كيلومتر عن السواحل الإيرانية، ثم الخروج من كل منطقة العمليات، لتشُقّ طريقها عائدة نحو الولايات المتحدة، حسب المتحدث الرسمي باسم هيئة الأركان العامة الإيرانية، أبو الفضل شيكارجي، الذي قال إن حاملة الطائرات الأمريكية “يو إس إس أبراهام لينكولن” غادرت نطاق العمليات الأمريكية “بعد تحييدها”.

في السياق أيضاً، بلغت حماقات ترامب -بين إجراءاته العملية وتصريحاته “الفارغة”- حداً مثيراً للشفقة وهو يستجدي من الصين التحرك لإنقاذه من حالة الحصار التي يعيشها في المضيق. حدث هذا رغم أن قواته شنت سلسلة غارات على جزيرة “خارك” الإيرانية والتي تعد مركز تصدير النفط الإيراني إلى الصين. وهو ما رأى فيه مراقبون “انتكاسة حقيقية”، لم تسعف الرئيس الأمريكي للحفاظ على ماء وجهه أمام أشد خصومه.

الأزمة الأكبر على الإطلاق

وفي مسعى للتخفيف من وطأة تداعيات إغلاق مضيق هرمز، ولكبح جماح أسعار النفط بدأت دول الوكالة الدولية للطاقة سحب 400 مليون برميل من احتياطياتها الاستراتيجية، وهو “أكبر سحب” في تاريخ المؤسسة لتغطية العجز الناتج عن تناقص الإنتاج والشحن النفطي من المنطقة. إلا أن التحذيرات تؤكد بأن الأمور قد تخرج عن السيطرة، فهذه الكمية لن تُسعف السوق العالمية إلا لـ 20 يوماً، والمخاوف تتعاظم من ارتفاع سعر البرميل إلى 200 دولار.

وأوضح وزير الخارجية الإيراني، عباس عراقجي، أن “الأسواق تواجه أكبر عجز وفجوة في التاريخ، في أزمة تتجاوز مجموع الحظر النفطي العربي عام 1973، والثورة الإسلامية في إيران عام 1979، وغزو الكويت من قبل العراق عام 1990”.

فيما حذرت أرامكو من عواقب “كارثية” على أسواق النفط في حال استمر إغلاق المضيق. وأكد الرئيس التنفيذي للشركة أن “الأزمة الحالية هي الأكبر -بفارق كبير على الإطلاق- التي يواجهها قطاع النفط والغاز في المنطقة”.