الأداء العسكري الإيراني في مواجهة العدوان
البيضاء نت | تحليل أنس القاضي
شكّلت الحرب العدوانية على إيران اختباراً عملياً عميقاً للعقيدة العسكرية التي بنتها طهران على مدى عقود من الصراع غير المباشر مع الولايات المتحدة والكيان الصهيوني، ولم يكن هذا الاختبار متعلقاً فقط بقدرتها على تنفيذ ردود عسكرية أو إطلاق الصواريخ والمسيّرات، بل شمل بصورة أساسية قدرتها على البقاء كفاعل عسكري منظم بعد الضربة الأولى، وعلى منع الحرب من التحول إلى عملية حسم سريعة تستهدف تفكيك بنيتها الدفاعية والسياسية، وقد أظهرت تطورات المواجهة أن الأداء العسكري الإيراني لا يمكن قراءته ضمن نموذج الحرب التقليدية القائمة على التفوق الجوي والحسم المباشر، بل ضمن نموذج مركّب يعتمد على المرونة العملياتية، وتوزيع القوة، وإدارة التصعيد وفق حسابات زمنية وسياسية دقيقة، وهو نموذج تشكل تدريجياً نتيجة خبرات سابقة في الحروب غير المتكافئة والعقوبات الطويلة والضغوط الإقليمية المستمرة.
امتصاص الضربة الأولى والانتقال إلى الهجوم
شكّلت الأيام الأولى للحرب اختباراً حاسماً لقدرة إيران على الصمود أمام محاولة المعتدين تحقيق “صدمة استراتيجية” عبر ضربات جوية وصاروخية مكثفة استهدفت منشآت عسكرية وبنى تحتية حساسة ومواقع يُعتقد أنها مرتبطة بمنظومة القيادة والسيطرة والقدرات الصاروخية. وكان الهدف العملياتي الظاهر لهذه الضربات المعادية إرباك آلية اتخاذ القرار العسكري، وإضعاف القدرة على الرد المنظم، بما يفتح المجال أمام فرض إيقاع سريع للحرب يقود إلى حسم مبكر أو على الأقل إلى تقليص هامش المناورة الإيرانية في المرحلة الأولى من المواجهة.
غير أن التطورات الميدانية كشفت عن قدرة نسبية على امتصاص الصدمة الأولية، إذ لم يطرأ انهيار شامل على بنية الدفاع أو على منظومة القيادة، ولم يحدث شلل كامل في قدرات الرد، يعود ذلك إلى مجموعة من العوامل البنيوية والتنظيمية، من أبرزها الانتشار الجغرافي الواسع للمنشآت العسكرية ومنظومات التسليح، الأمر الذي صعّب تحقيق إصابة حاسمة بضربة مركزة، إضافة إلى اعتماد بنية دفاعية متعددة الطبقات لا تقوم على مركز واحد يمكن تعطيله بسهولة. كما لعبت اللامركزية النسبية في بعض وحدات القيادة العملياتية دوراً في ضمان استمرار العمل الميداني حتى في حال تعرض بعض المرافق للضرر.
إلى جانب ذلك، أسهمت الخبرة المؤسسية المتراكمة في إدارة الأزمات الأمنية والعسكرية، الناتجة عن عقود من التوترات والعقوبات والاحتكاكات الإقليمية، في تسريع عملية استيعاب الضربة وإعادة تنظيم الجهود الدفاعية، فقد جرى الانتقال -خلال فترة قصيرة نسبياً- من حالة الدفاع تحت وقع المفاجأة إلى مرحلة إعادة التوازن العملياتي، التي شملت إعادة توزيع الموارد، وتعزيز الجاهزية في بعض الجبهات الحساسة، وتفعيل قنوات اتصال بديلة لضمان استمرارية التنسيق بين الوحدات المختلفة.
ومع استعادة الحد الأدنى من الاستقرار في بنية القرار العسكري، بدأت إيران في التحول التدريجي من وضعية الامتصاص إلى وضعية الرد المدروس. اتخذ هذا الرد أشكالاً متعددة، من بينها استخدام الصواريخ والطائرات المسيّرة لاستهداف أهداف عسكرية أو لوجستية مرتبطة بالخصم، إضافة إلى تحريك أدوات ضغط غير مباشرة عبر ساحات إقليمية متداخلة. لم يكن الهدف من هذه الخطوات تحقيق نصر سريع بقدر ما كان إعادة تشكيل معادلة الحرب نفسها عبر إظهار القدرة على الإيلام ورفع كلفة الاستمرار في العمليات.
في هذا السياق، يمكن القول إن نجاح إيران في تجاوز مرحلة الصدمة الأولى منحها هامشاً زمنياً وسياسياً لإعادة صياغة مسار مقاومة العدوان والهجوم المضاد، إذ تحولت الحرب من محاولة فرض إيقاع أحادي من قبل الطرف المهاجم إلى صراع أكثر توازناً من حيث القدرة على الرد والتأثير.
الردّ المنظّم وأدوات الحرب غير المتكافئة
بعد تجاوز مرحلة امتصاص الضربة الأولى، اتجهت إيران إلى بناء نمط ردّ عسكري منظّم ومتدرّج يهدف إلى إعادة تشكيل طبيعة الحرب نفسها، لا إلى تحقيق حسم عسكري سريع أو تقليدي. وقد اعتمد هذا الردّ بصورة رئيسية على الصواريخ الباليستية والطائرات المسيّرة والهجمات المركّبة متعددة الموجات، وهي أدوات تسمح بإحداث تأثير عسكري وسياسي ملموس.
تميّزت هذه العمليات بقدر من الانضباط العملياتي والتدرّج في مستوى التصعيد، إذ لم تُنفّذ الضربات بشكل عشوائي، بل استهدفت أهدافاً ذات دلالة استراتيجية، مثل القواعد العسكرية والبنى المرتبطة بالدفاع الجوي والراداري ومراكز الدعم اللوجستي، وقد ساهم هذا النمط في خلق حالة من الضغط المستمر على الخصم، لأن الضربات المتقطعة والمتكررة تجبر أنظمة الدفاع على البقاء في حالة استنفار دائم، كما تدفع إلى توزيع القدرات الدفاعية على مساحات جغرافية أوسع، وهو ما يقلل من كثافتها في بعض النقاط الحساسة.
ومن أبرز الأمثلة على هذا الردّ الموجات الصاروخية والمسيّرة التي استهدفت العمق الإسرائيلي، حيث سُجلت إصابات في مناطق داخل وسط “إسرائيل”، الأمر الذي أظهر قدرة نسبية على اختراق جزئي للمظلة الدفاعية متعددة الطبقات. لم يكن الهدف من هذه الضربات تحقيق تدمير واسع بقدر ما كان إيصال رسالة ردعية مفادها أن الحرب لن تبقى محصورة في الأطراف أو في ساحات بعيدة عن المراكز السكانية والاقتصادية. وقد انعكس ذلك في اضطرابات متكررة في حركة الطيران والإنذار المبكر داخل كيان الاحتلال، إضافة إلى الضغط النفسي والسياسي الناتج عن تعرّض العمق لضربات مباشرة.
أما على مستوى الوجود العسكري الأمريكي في المنطقة، فقد اتخذ الردّ الإيراني طابعاً أكثر تعقيداً من مجرد استهداف القواعد كمبانٍ ثابتة، إذ ركزت بعض العمليات على البنية الرادارية ومنظومات الإنذار المبكر التي تشكّل العمود الفقري للدفاع الجوي الحديث. وتشير تقارير مفتوحة المصدر وتحليلات صور الأقمار الاصطناعية إلى تعرّض مواقع مرتبطة بالوجود العسكري الأمريكي في دول مثل الأردن وقطر والبحرين والإمارات والعراق لضربات دقيقة، ويكتسب هذا المسار أهمية خاصة لأن تعطيل الرادارات أو إضعافها -حتى بشكل مؤقت- يمكن أن يفتح نافذة زمنية تسمح بمرور موجات لاحقة من الصواريخ أو المسيّرات باحتمالات نجاح أعلى.
كما برزت محاولات استهداف أو تهديد منشآت قريبة من المطارات والموانئ ومحاور الطاقة في الخليج، وهو ما يعكس انتقال الحرب من مستوى المواجهة العسكرية المباشرة إلى مستوى الضغط الاقتصادي واللوجستي؛ فمجرد تعرّض هذه المرافق للتهديد يؤدي إلى رفع كلفة التأمين والشحن وتعطيل بعض الأنشطة الحيوية، وهو ما يوسّع دائرة التأثير لتشمل الاقتصاد الإقليمي والدولي، لا الجبهة العسكرية فقط.
ويكشف هذا النمط من العمليات عن منطق الحرب غير المتكافئة الذي تعتمد عليه إيران، إذ تقوم الاستراتيجية هنا على الجمع بين وسائل هجومية منخفضة الكلفة نسبياً ووسائل دفاعية لدى الخصم مرتفعة الكلفة (آلاف الدولارت مقابل ملايين الدولارات)، ما يخلق حالة استنزاف تدريجية؛ فإطلاق عدد كبير من المسيّرات أو الصواريخ قصيرة ومتوسطة المدى قد يفرض على الطرف المقابل استخدام منظومات اعتراض متطورة ومكلفة مالياً وصناعياً، وهو ما يؤدي -بمرور الوقت- إلى رفع كلفة الدفاع إلى مستويات قد تفوق كلفة الهجوم ذاته.
ولا تقتصر قيمة هذا الردّ على الأثر المادي المباشر للضربات، بل تمتد إلى إعادة صياغة طبيعة الصراع، إذ تحوّلت الحرب من محاولة فرض إيقاع سريع وحسم مبكر إلى صراع مفتوح الكلفة ومتعدد الجبهات. ففي ظل هذا الواقع، لم يعد المعتدي قادراً على الاكتفاء بالدفاع عن جبهة واحدة أو قاعدة واحدة، بل أصبح مضطراً لإدارة شبكة واسعة من التهديدات المتزامنة تشمل المجال الجوي والبحري والاقتصادي والسيبراني.
في المحصلة، يُظهر الردّ الإيراني المنظّم أن الهدف الأساسي منع الحسم السريع من قبل العدو، وفرض منطق الاستنزاف والردع المتبادل، وقد نجحت هذه الاستراتيجية في إطالة أمد المواجهة وتعقيد حسابات العدو، لكنها في الوقت نفسه قد تفتح الباب أمام مخاطر تصعيد أوسع إذا خرجت بعض العمليات عن نطاق الضبط، أو إذا أدت إلى تدخلات دولية إضافية، وبذلك يصبح هذا النمط من الردود جزءاً من صراع طويل الأمد تُدار فيه الكلفة المالية بقدر ما تُدار العمليات العسكرية نفسها.
البعد الاقتصادي للحرب العسكرية
لم يقتصر الأداء العسكري الإيراني على العمليات الميدانية المباشرة، بل شمل أيضاً استخدام أدوات ضغط غير مباشرة ترتبط بالاقتصاد والممرات الحيوية، ففي ظل الاعتماد العالمي على استقرار أسواق الطاقة والملاحة البحرية، يمكن لأي توتر في هذه المجالات أن ينعكس سريعاً على حسابات الحكومات والشركات والأسواق المالية، وقد أدى هذا البعد إلى توسيع مفهوم المواجهة، بحيث لم تعد مقتصرة على تبادل الضربات العسكرية، بل أصبحت جزءاً من صراع أوسع يتعلق بكلفة الحرب واستمرار الخسائر المالية. ويُعد هذا العامل مهماً في فهم كيفية إدارة الصراع، إذ إن رفع الكلفة الاقتصادية قد يكون وسيلة لتعويض الفجوة في بعض مجالات التفوق التكنولوجي أو العسكري.
نقاط القوة وحدود القدرة
كشف الأداء العسكري الإيراني خلال مجريات الحرب عن مجموعة من عناصر القوة البنيوية والعملياتية التي ساهمت في منع تحقيق حسم سريع ضدها، إذ برزت أولاً قدرة واضحة على امتصاص الضربة الأولى والمحافظة على تماسك منظومة القيادة والسيطرة، وهو عامل حاسم في الحروب الحديثة، حيث يؤدي انهيار هذه المنظومة غالباً إلى تفكك الجبهة العسكرية والسياسية معاً. كما أظهرت طهران مستوى ملحوظاً من المرونة العملياتية في إدارة الرد، من خلال الجمع بين الضربات الصاروخية والطائرات المسيّرة والحرب السيبرانية والضغط غير المباشر عبر ساحات إقليمية متداخلة، الأمر الذي أسهم في تعقيد حسابات الطرف المقابل وإطالة أمد المواجهة.
إلى جانب ذلك، لعب العمق الجغرافي الإيراني دوراً مهماً في تعزيز القدرة الدفاعية، إذ يصعب استهداف بنية عسكرية منتشرة على مساحة واسعة ومتنوعة التضاريس مقارنة بدول ذات جغرافيا محدودة، كما ساعد تعدد مسارات الإمداد والتصنيع المحلي في تقليل تأثير الضربات الأولية على القدرة القتالية. كذلك، مكّن الاعتماد على منظومات تسليحية ذات قيمة مالية منخفضة، مثل المسيّرات والصواريخ قصيرة ومتوسطة المدى، من خلق معادلة استنزاف اقتصادي وعسكري للطرف المقابل الذي يعتمد بدرجة أكبر على منظومات اعتراض كلفتها المالية مرتفعة.
غير أن هذه العناصر الإيجابية لا تلغي وجود حدود موضوعية للقدرة الإيرانية، إذ كشفت الحرب في الوقت نفسه عن تحديات مرتبطة بالقدرة على تحمّل مواجهة طويلة في ظل الضغوط الاقتصادية والعقوبات الممتدة منذ سنوات، وهو ما يفرض قيوداً على حجم الإنفاق العسكري واستدامة العمليات. كما برز التفوق التقني والاستخباراتي للطرف المقابل في مجالات مثل الاستطلاع الفضائي والحرب الإلكترونية والضربات الدقيقة بعيدة المدى، الأمر الذي مكّنه من استهداف مواقع حساسة أو قيادات ميدانية بصورة متقطعة لكنها مؤثرة.
في المحصلة، يظهر الأداء العسكري الإيراني مزيجاً من القدرة على التعطيل ومنع الحسم مقابل قيود تتعلق بالاستدامة والتفوق التقني للطرف المقابل، وهو ما يجعل مسار الحرب مفتوحاً على احتمالات متعددة تتراوح بين استمرار الاستنزاف المتبادل أو الانتقال إلى ترتيبات تهدئة تفرضها الكلفة المتزايدة على جميع الأطراف.
نموذج الحرب الطويلة والنجاح العسكري