اليوم الثاني والثلاثون: “فخ الإنزال البري” ونهاية أوهام الهيمنة.. واشنطن تبحث عن نَفط إيران فوق رمال الأكراد، وإسرائيل تغرق في “مسلخ عيناثا”!

التقدير الاستراتيجي والجيوسياسي الشامل (الثلاثاء – 31 آذار 2026 | اليوم الـ 32 للحرب):

البيضاء نت | تقرير طلال نخلة 

لقد دخلنا رسمياً في “طور التحولات البنيوية” للحرب. ما بدأ كحملة جوية أمريكية-إسرائيلية بغرور “إسقاط النظام في أيام”، اصطدم بجدار الردع الإيراني الصلب، ليتحول الصراع اليوم إلى “حرب استنزاف وجودية” تُرسم فيها خرائط العالم الجديد.

لم يعد السؤال ما إذا كانت إيران ستصمد، بل السؤال هو: أين سيقع الجيش الأمريكي في الفخ البري الذي نُصب له بعناية؟ في هذا اليوم، تتقاطع تسريبات واشنطن وتحركات أساطيلها مع هذيان نتنياهو بأنابيب طاقة بديلة، وارتفاع صراخ المستوطنين في إسرائيل، لتكشف لنا أن المحور الغربي فقد زمام المبادرة، وبات يقاتل للهروب إلى الأمام.

سأضع بين يديك هذا التفكيك للوحة الشطرنج الإقليمية والدولية، رابطاً خيوط الميدان بالسياسة في قراءة لا تقف عند حدود الأخبار، بل تستشرف ما خلفها:

أولاً: سيناريوهات “الإنزال البري”.. الانتحار الأمريكي على رقعة الشطرنج

مع تجاوز عدد القوات الأمريكية في الشرق الأوسط 50 ألف جندي، ووصول حاملة الطائرات المروحية “تريبولي” (3500 مارينز)، بالتزامن مع تحشيد طائرات الدعم الأرضي القريب (A-10 Thunderbolt) ومقاتلات (F-22) في قاعدة “لاكنهيث” البريطانية، بات واضحاً أن البنتاغون يُحضر لعملية برية. لكن أين؟ القراءة الاستراتيجية تضعنا أمام مسارات محددة:
* الإنتحار على شواطئ إيران (خارك ومضيق هرمز): ترامب أعلنها صراحة، وذكّرنا بفيديو له من عام 1987: “استولوا على نفطهم”. هو يريد جزيرة “خارك”. لكن هذا الخيار عسكرياً يُعتبر عملية انتحارية بامتياز. إيران التي أسقطت أسطول الاستطلاع الأمريكي تتفوق في الدفاع الساحلي، وأي إنزال هناك سيحول المارينز إلى “طعام لقروش الخليج”.
* الخاصرة الرخوة (سيناريو كردستان العراق): وهو الخيار الأرجح استراتيجياً. القوات الأمريكية قد تتخذ من قواعدها في شمال العراق نقطة انطلاق لاجتياح بري نحو شمال غرب إيران (المحافظات الكردية). هذا يفسر التسريب الإسرائيلي (القناة 12) عن خطة الموساد الفاشلة لدعم الميليشيات الكردية. واشنطن قد تحاول إعادة إحياء هذه الخطة بغطاء جوي من الـ (A-10) لتمزيق الجغرافيا الإيرانية من الداخل.
* احتلال اليمن (حرب الممرات): مع خنق إيران لهرمز، قد يُنفذ الإنزال في اليمن. لكن اليمن أثبت أنه “مقبرة الأساطيل”، وهو ما أكده الجنرال قاآني في رسالته لأنصار الله: “تراجع حاملة الطائرات جيرالد فورد سببه جبال اليمن الشامخة”.

ثانياً: الخليج.. رقصة الموت بين “التحريض السري” و”الردع الإيراني”

الأنظمة الخليجية (السعودية، الإمارات، البحرين، الكويت) تلعب أخطر لعبة في تاريخها. تقرير (AP) فضح ضغوطهم السرية على ترامب لمواصلة الحرب حتى إسقاط النظام الإيراني. لكن طهران، التي تملك استخبارات تخترق الغرف المغلقة، ردت بـ “الكياسة القاتلة”:
* رسالة النار: استهداف ناقلة نفط كويتية في ميناء دبي، واشتعال سفينة أخرى شمال غرب دبي. إيران تقول للخليج: “نعلم ما تفعلونه، ونفطكم وموانئكم تحت رحمتنا”.
* رسالة السياسة: وزير الخارجية عباس عراقجي يغرد: “نحترم السعودية كدولة شقيقة.. العدو الأمريكي لا يستطيع حمايتكم، انظروا لما حل بمنظومته الجوية (الأواكس)”. هذا التناقض المدروس هو تكتيك إيراني مرعب يضع الملوك والأمراء أمام مرآة هشاشتهم.

ثالثاً: مفرمة لبنان.. “أشباح الثمانينيات” تلتهم الفرقة 36

على الجبهة الشمالية، تحطمت أسطورة التفوق البري الإسرائيلي.
* إحصائية الرعب: نحن نتحدث عن 123 آلية مستهدفة (بينها 102 دبابة ميركافا!). هذا ليس مجرد رقم؛ هذا يعني إبادة كتائب مدرعة كاملة لجيش الاحتلال.
* مثلث الموت (عيناثا – بنت جبيل): ما جرى اليوم في عيناثا هو استنساخ مطور لمجزرة الكتيبة 51 في غولاني عام 2006. كمائن تدمير الدبابات، التشريكات الهندسية، والاشتباكات من المسافة صفر.
* اعترافات العدو: الإعلام العبري (القناة 13 ومعاريف) يقر بالهزيمة: “حزب الله يطلق 100 صاروخ يومياً معظمها لسحق جنودنا في القرى.. نحن نعود لوحل الحزام الأمني”. إسرائيل اليوم تستنزف قواتها بلا أفق، لدرجة أن الكنيست يشرع قوانين لإعدام الأسرى لتعويض الشعور بالهزيمة، بينما المستوطنون ينقلون سراً إلى البحر الميت هرباً من جحيم الشمال.

رابعاً: استراتيجية “التصعيد دون النووي” (القنابل القذرة والاقتصاد)

وصلت المعركة إلى العتبة القصوى للحرب التقليدية. إسرائيل وأمريكا استخدمتا كل ما لديهما من ذخائر (أكثر من 14,000 ذخيرة أُلقيت على إيران). في المقابل، طهران لم ترد بأسلحة دمار شامل، بل استخدمت “سلاح الدمار الاقتصادي الشامل”:
* تدمير مصافي حيفا والتسرب الكيميائي في النقب (نئوت حوفاف) هو مكافئ لـ “قنبلة قذرة كيميائية”.
* إغلاق مضيق هرمز رفع عقود النفط الآجلة وصنع عجزاً بـ 9 ملايين برميل يومياً. إذا نُفذت حماقة إنزال بري أمريكي، فإن طهران ستستهدف محطات التحلية وأنابيب النفط الخليجية (كما حصل في خط حبشان-الفجيرة)، ما سيرفع النفط إلى 200 دولار ويُسقط الاقتصاد الغربي بالضربة القاضية.

خامساً: المحور الدولي والداخلي.. تشكل كماشة خنق أمريكا

* محور (باكستان، تركيا، مصر، السعودية) بدعم صيني: هذا التكتل السني المدعوم صينياً للضغط لوقف الحرب، يثبت أن أمريكا تفقد هيمنتها، وأن النظام الإقليمي يعيد تشكيل نفسه للنجاة من جنون ترامب.
* الجبهة الداخلية الأمريكية (الزلزال الأكبر): مظاهرات الـ 8 ملايين أمريكي تحت شعار “لا للملوك”. إيران التقطت الشعار وكتبته على صواريخها الباليستية المتجهة للكيان. هذه ليست مصادفة؛ طهران تربط بين صواريخها وغضب الشارع الأمريكي ضد الرأسمالية المتوحشة واللوبي الصهيوني، محولةً الحرب إلى رافعة قد تُطيح بإدارة ترامب من الداخل قبل أن تطيح بها في الميدان.

الخلاصة للقيادة: ماذا بعد؟

نحن نشهد ولادة عالم جديد من رحم هذه “الحرب العالمية الكبرى”.
* ترامب يلوح بالتدمير الشامل (تصريح منصة X) لأنه يعلم أنه يخسر. هو يريد سرقة النفط كإنجاز وحيد، لكنه يدرك أن قواته البرية ستُباد.
* نتنياهو يهرب من هزيمة لبنان باقتراح “ممرات بحرية” خيالية، لكن رسالة طهران الحاسمة عبر الوسطاء أسقطت آماله: “حتى لو هادنّا واشنطن، ستبقى إسرائيل هدفاً للصواريخ إذا لم تقف حرب لبنان”.
* المحور يدير المعركة ببرود أعصاب قاتل. هو لا يستعجل النصر النهائي، بل يستنزف أعداءه ببطء، يُدمر دباباتهم في لبنان، يُغرق سفنهم في الخليج، ويُشعل شوارعهم في واشنطن وتل أبيب.

التوقع للمرحلة القادمة:

إذا لم تُثمر ضغوط التحالف الدولي الجديد في كبح جماح ترامب، فإن نهاية هذا الأسبوع (عطلة الفصح) قد تشهد تهوراً أمريكياً بإنزال بري في كردستان العراق أو جزيرة إيرانية، وهو ما سيكون بمثابة إطلاق رصاصة الرحمة على الوجود العسكري الأمريكي في غرب آسيا. الأيام القادمة لن تحدد فقط مصير النظام الإيراني أو الإسرائيلي، بل مصير النظام الاقتصادي العالمي بأسره.