العدو الصهيوأمريكي في مرحلة الانكشاف الاستراتيجي .. من وهم الحسم إلى البحث عن نصرٍ إعلامي شكلي
البيضاء نت | تقرير طارق الحمامي
تشير التطورات المتسارعة في مسار المواجهة الإقليمية إلى أن العدو الصهيوأمريكي دخل مرحلة متقدمة من الانهيار السياسي والاستراتيجي والمعنوي، وهي مرحلة لم تعد تُقرأ فقط من خلال مواقف محور المواجهة، بل باتت تتجلى بوضوح في خطاب إعلام العدو نفسه، الذي بدأ يتحدث صراحة عن احتمالات إنهاء المعركة دون تحقيق أهدافها المعلنة، مع التمهيد لإعلان “نصر شكلي” يُسوَّق داخليًا بأسلوب دعائي ترامبي، إن أخطر ما تكشفه هذه المرحلة هو الفجوة العميقة بين الأهداف التي رُفعت عند بداية العدوان وبين الواقع الميداني والسياسي الراهن؛ فبعد أسابيع من التصعيد، لا يوجد أي مؤشر على استسلام إيراني، ولا على انهيار البنية الاستراتيجية للمواجهة، بل على العكس، تؤكد تقارير متعددة أن طهران ما تزال ترفض الإملاءات المباشرة، وتتعامل مع الحرب بمنطق الصمود طويل النفس.
سقوط رهان الحسم السريع
منذ اللحظة الأولى، بُنيت الاستراتيجية الصهيوأمريكية على فرضية الحسم السريع، وضربات مكثفة، وضغط نفسي، وتهديدات سياسية، وحرب إعلامية ضخمة هدفها إجبار إيران على الانكفاء أو تقديم تنازلات استراتيجية كبرى، لكن التطورات أثبتت أن هذا الرهان كان أقرب إلى وهم سياسي صنعته حسابات نتنياهو واندفاع ترامب نحو استعراض القوة، فالإعلام المقرب من دوائر القرار في كيان العدو بدأ يتحدث عن أن الحرب تقترب من نهايتها، ليس لأن الأهداف تحققت، بل لأن القدرة على الاستمرار في نفس المستوى من التصعيد أصبحت مكلفة سياسيًا وعسكريًا، هذا التحول في الخطاب يعكس بوضوح أن ما كان يُقدَّم كمعركة “تغيير الشرق الأوسط” انتهى إلى محاولة إدارة الخروج من المأزق.
لا استسلام إيراني .. وهذه هي العقدة الكبرى
جوهر الانهيار الحالي يتمثل في أن الجمهورية الإسلامية في إيران لم تُبدِ أي علامة على الاستسلام السياسي أو الاستراتيجي، بل إن مجرد بقاء الموقف الإيراني متماسكًا بعد كل هذا الضغط يمثل في ذاته إخفاقًا جوهريًا للمشروع الصهيوأمريكي، إذ كان الهدف المركزي للعدوان هو فرض صورة “الردع المطلق” وإظهار أن أي قوة إقليمية ستنهار تحت الضغط الأمريكي والإسرائيلي، لكن ما حدث هو العكس تمامًا، لا استسلام معلن، ولا قبول بإملاءات نهائية، ولا انهيار في خطاب الدولة، ولا انهيار في أدوات الرد، وهذا ما جعل بعض التحليلات الغربية تتحدث عن أن “مجرد الصمود الإيراني يُعدّ شكلاً من أشكال الانتصار السياسي”، وهنا تحديدًا يتجلى فشل نظرية القوة الصلبة.
ترامب يبحث عن مخرج .. لا عن نصر
أصبح واضحًا أن الأولوية بالنسبة لترامب لم تعد تحقيق نصر عسكري حقيقي، بل إيجاد مخرج سياسي وإعلامي سريع، حتى بعض وسائل الإعلام الأمريكية والغربية تصف المشهد بأنه بحث عن مخرج آمن يتيح للرئيس الأمريكي إعلان نجاح شكلي ثم الانسحاب من مستنقع الهزيمة، وهذا يعكس تحوّلًا مهمًا، ففي بداية العدوان كان الخطاب يقوم على الاستسلام غير المشروط، أما الآن فأصبح يدور حول كيف نعلن أن الأهداف تحققت وننهي المعركة؟
هذا التحول في حد ذاته دليل على الارتباك الاستراتيجي، فالقوة التي تدخل الحرب بشعار “الاستسلام الكامل” ثم تنتهي إلى البحث عن صيغة “نصر إعلامي” هي قوة تعترف ضمنيًا بأن الواقع الميداني لم يخدم أهدافها.
نتنياهو ورّط واشنطن في مستنقع مفتوح
من أهم دلالات المرحلة أن واشنطن بدأت تدرك أنها دخلت في حرب صاغ أهدافها نتنياهو أكثر مما صاغتها المصالح الأمريكية المباشرة، وكثير من التحليلات الغربية تتحدث صراحة عن أن نتنياهو دفع باتجاه التصعيد بهدف فرض وقائع إقليمية جديدة، وإطالة أمد الحرب، وتوظيفها داخليًا للهروب من أزماته السياسية، في المقابل، وجد ترامب نفسه أمام حرب بلا نهاية واضحة ولا نصر قابل للتسويق بسهولة، ومن هنا جاءت فكرة “النصر الشكلي” بأسلوب ترامبي، إعلان انتصار ضخم في الإعلام، حتى لو كانت الوقائع الميدانية لا تعكس ذلك.
الدلالة الاستراتيجية الأوسع
الأخطر في هذه المرحلة ليس فقط تعثر العدوان، بل تآكل صورة الردع الصهيوأمريكي أمام المنطقة، فحين تفشل آلة الحرب، بكل ثقلها، في فرض الاستسلام، فإن الرسالة التي تصل إلى الإقليم هي أن الهيمنة لم تعد مطلقة, وهذا يفتح الباب أمام تحولات استراتيجية كبرى في موازين القوى، أهمها تراجع هيبة الردع الإسرائيلي، وانكشاف محدودية القوة الأمريكية، وصعود منطق الصمود طويل النفس، واهتزاز ثقة حلفاء العدو الصهيوأمريكي بأنه سياق لهم الحماية.
ختاما