مفاوضات إسلام آباد: بين تعنّت واشنطن وثبات طهران

البيضاء نت | مقالات 

بقلم / عبدالله علي هاشم الذارحي

في مشهدٍ يعكس عمق التحولات الاستراتيجية في المنطقة، انتهت جولة المفاوضات الإيرانية–الأمريكية في العاصمة الباكستانية إسلام آباد، بعد أكثر من 25 ساعة من النقاشات المكثّـفة، دون التوصل إلى اتّفاق.

هذا الفشل لم يكن حدثًا مفاجئًا، بقدر ما كان نتيجة طبيعية لمسارٍ تفاوضي جرى تحت سقف صراع مفتوح، وفي ظل معادلة قوة ميدانية فرضتها موجات «الوعد الصادق 4» ووحدة الساحات.

في جولات المفاوضات، برز بوضوح التعنّت الأمريكي، محاولًا فرض ما عجز عنه في الحرب؛ فالوفد الأمريكي دخل المفاوضات بسقفٍ مرتفعٍ من المطالب، شملت قضايا سيادية حساسة مثل البرنامج النووي، والقدرات العسكرية، ومضيق هرمز.

واشنطن حاولت انتزاع تنازلات لم تتمكّن من تحقيقها عسكريًّا، وهو ما يعكس –تحليليًا– انتقال الاستراتيجية الأمريكية من الحسم بالقوة إلى الضغط عبر التفاوض، دون تعديل حقيقي في الأهداف.

لكن هذا النهج اصطدم بواقع جديد؛ فإيران، التي خرجت بعد 40 يومًا من الحرب المفروضة عليها وهي أكثر تماسكًا، لم تعد في موقع تقديم التنازلات، بل في موقع تثبيت مكاسب ما تعتبره نصرًا.

فالثبات الإيراني استند إلى قوة الميدان، والوفد الإيراني، برئاسة قاليباف وعضوية عراقجي وباقري، تعامل مع المفاوضات بوصفها امتدادا للمعركة، لا بديلًا عنها.

وقد نجح في إحباط محاولات المساس بالسيادة الوطنية، سواء في الملف النووي أَو في قضية مضيق هرمز.

هذا الثبات لم يكن سياسيًّا فقط، بل مدعومًا بمعادلة ردع حقيقية، أبرز ملامحها:

– سيطرة بحرية ذكية على مضيق هرمز.

– استمرار البرنامج النووي دون تفكيك.

– احتفاظ إيران بأوراق ضغط اقتصادية وجيوسياسية.

إيران تمتلك أوراقا رابحة أكثر، وليست مستعجلة؛ ولم تعد المشكلة في تفاصيل الاتّفاق، بل في ميزان القوة نفسه.

وهنا تتجلى معادلة الدبلوماسية الإيرانية، التي دخلت المفاوضات من موقع الندّية، لا من موقع الحاجة.

بالتالي، فإن الولايات المتحدة باتت في ورطة استراتيجية أمام إيران.

عُمُـومًا، المفاوضات لم تنتهِ، بل بدأت مرحلة جديدة؛ ورغم إعلان عدم وجود خطط لجولة قادمة، إلا أن المؤشرات تشير إلى أن الدبلوماسية لن تتوقف، لكن شكلها سيتغير، وستكون أكثر ارتباطا بالميدان.

إيران، من جهتها، تبدو غير مستعجلة، بينما تواجه أمريكا عامل الوقت كخصم إضافي.

ختامًا: مما سبق يتبيّن أن ما جرى في إسلام آباد ليس مُجَـرّد فشل جولة تفاوضية، بل هو تعبير عن تحوّل استراتيجي أعمق:

– أمريكا: تراجع في القدرة على فرض الشروط.

– إيران: صعود في موقع القوة والثبات.

– المنطقة: انتقال نحو معادلات ردع جديدة.

وبين هذا وذاك، تتكرّس حقيقة أَسَاسية:

أن زمن الإملاءات قد ولّى، وأن أي اتّفاق قادم لن يُصاغ إلا وفق توازنات جديدة، عنوانها الأبرز: القوة تصنع السياسة، لا العكس؛ فالحق أبلج، والباطل لجلج.