من نبع الاكتفاء تصنع السيادة: المعادلة القرآنية في مواجهة سلاح الجوع والتبعية

البيضاء نت | تقرير خاص 

معادلة الوجود والحرية الإنسانية؛ تجلى الحكمة الربانية في قوله تعالى: {فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ * الَّذِي أَطْعَمَهُم مِّن جُوعٍ وَآمَنَهُم مِّنْ خَوْفٍ}، لترسِّــخَ في وعي الأُمَّــة أنَّ السيادةَ بستانٌ يُسقى من نبعِ الاكتفاء، وأنَّ الجوعَ هو قيدٌ خفيٌّ يُكبّلُ الإراداتِ ويُروّضُ القرارات. إن التدبر العميق في هذه الهداية الإلهية يكشف عن قانون كوني صارم لبناء المجتمعات الحرة؛ فالخالق سبحانه وتعالى لم يضع هذه الثنائية (الإطعام والأمن) كترف هامشي، بل جعلها الركيزة الأساسية والمقدمة الوجودية لتحقيق التوحيد الخالص والعبودية الحقّة. فلا يمكن لأمة يعتصرها ألم العوز، وتلتفت عيونها صوب وراء البحار بانتظار “سلة غذائها” من خصومها، أن تملك قرارها السياسي أو تحافظ على هويتها الثقافية والدينية.

وفي العصر الراهن، تحول الغذاء إلى سلاح استراتيجي أشد فتكاً من الترسانات العسكرية، حيث تعمد القوى الاستعمارية إلى هندسة الجوع وتوظيف الحصار الاقتصادي لتركيع الشعوب وتطويع مواقفها السياسية. ومن هنا، تبرز الرؤية القرآنية لتضع حداً فاصلاً بين نمطين من الوجود: إما أمة تزرع ما تأكل فتسير برأس مرفوع وصوت حر، أو أمة تستجر قوتها من أيدي أعدائها، فتظل إرادتها رهينة في سجون التبعية، وتتحول لقمة عيشها إلى حبل مشنقة يلتف حول عنق استقلالها وسيادتها.

 

المحور الأول: الرؤية القرآنية عند السيد حسين بدر الدين الحوثي (تأصيل المفهوم وترسيخ الوعي)

مثّلت محاضرات الشهيد القائد السيد حسين بدر الدين الحوثي ركيزة أساسية في إعادة قراءة النص القرآني وربطه بالواقع المعاش للأمة، حيث لم ينظر إلى الآية كإشارة تاريخية عابرة، بل كمنهجية حية لمواجهة الهيمنة المعاصرة.

  • تلازم الأمن والقمة: أكد السيد حسين أن استهداف الأمة في اقتصادها وقوتها الضروري هو امتداد لاستهداف دينها وكرامتها، معتبراً أن التبعية الاقتصادية هي المدخل الأساسي للتبعية السياسية والفكريّة.

  • الانعتاق من قيد الحاجة: انتقد الرؤية التقليدية التي فصلت العبادة والتدين عن شؤون الحياة والإنتاج، ورسّخ مفهوم أن العبادة الحقيقية لله تقتضي التحرر الكامل من العبودية لـ “لقمة العيش” التي يتحكم بها الأعداء ويسخرونها لترويض المواقف.

  • سلاح المقاطعة والبديل المحلي: ومن هذا المنطلق الذاتي، أسس لمفهوم المقاطعة الاقتصادية الشاملة للبضائع الأمريكية والإسرائيلية ليس فقط كموقف مبدئي، بل كخطوة أولى لكسر الهيمنة والتحفيز نحو الاعتماد على الإنتاج الداخلي.

 

المحور الثاني: الامتداد العملي عند السيد عبد الملك بدر الدين الحوثي (من الوعي إلى جبهة الإنتاج)

 

على ذات المسار وبخطوات عملية واكبت ظروف الحرب والحصار الشامل على اليمن، جاءت توجيهات السيد عبد الملك بدر الدين الحوثي لتحول هذه المعادلة القرآنية إلى استراتيجية بناء وصمود في الميدان.

  • الجبهة الزراعية كجهاد مقدس: في مختلف خطاباته ومناسباته، يحرص السيد عبد الملك على وضع ملف الاكتفاء الذاتي والزراعة في صدارة الأولويات، معتبراً التحرك في هذا المسار جهاداً في سبيل الله لا يقل أهمية عن الجبهة العسكرية والسياسية.

  • سقاية بستان السيادة باليد: يرى السيد القائد أن السيادة الحقيقية لا يمكن صونها طالما ظلت الفجوة الاستيرادية قائمة في السلع الأساسية (كالقمح والحبوب). ولهذا ركز على تفعيل المبادرات المجتمعية، ودعم الجمعيات الزراعية، وتشجيع المنتج المحلي كخطوة وجودية لكسر الحصار.

  • التكامل بين معادلتَي الردع: يربط السيد عبد الملك بوضوح تام بين القوة العسكرية (التصنيع الحربي والدفاعي) وبين الأمن الغذائي؛ مستلهماً ذلك من ثنائية الآية الكريمة، فـ “الأمن من الخوف” لا يكتمل بنيانه ولا تثمر تضحياته إلا بـ “الأمن من الجوع”، لتتحرك الأمة بقدمين ثابتتين نحو الحرية والاستقلال الشامل.

الخلاصة:

الحقيقة الثابتة وبستان السيادة المستدامة ؛ إن الحصيلة المعرفية والعملية المستوحاة من قوله تعالى {الَّذِي أَطْعَمَهُم مِّن جُوعٍ وَآمَنَهُم مِّنْ خَوْفٍ} قد أحدثت تحولاً جذرياً في مسار المواجهة المعاصرة، حيث نقلت المجتمع من مربع الانكفاء والاستهلاك السلبي وانتظار المعونات المشروطة بالإذلال، إلى فضاء الاستنفار الشامل والاعتماد الصارم على الذات. لقد أثبتت مجريات الأحداث وتجارب الحصار أن الأمة التي تفرط في بستان اكتفائها الذاتي، وتسلم مفاتيح مخازنها للخارج، لن تجد في لحظات المنعطفات التاريخية سوى خيارين: إما الجوع المفروض أو التنازل عن الكرامة.

 

وفي المقابل، فإن المشروع الذي رسخه الشهيد القائد ويقوده السيد عبد الملك بدر الدين الحوثي، يبرهن على أن السيادة ليست هبة دولية تُمنح في روقات المنظمات، ولا شعاراً هتافياً يزول مع العواصف، بل هي “كلٌّ متكامل” لا يقبل التجزئة؛ حجر أساسه وعاء زراعي وطني يفيض بالخيرات، وسياجه قوة رادعة تحمي الجنى وتحمل السلاح في آن واحد. إنها دعوة قرآنية مستمرة لإحياء الأرض واستنهاض الهمم، حتى تظل الأمة مالكة لقرارها، محصنة في أمنها، وعصية على التطويع والترويض، مستندة إلى قاعدة ذهبية واحدة: الإرادة الحرة تبدأ من حبة القمح النابتة في تراب الوطن، ولا تنحني في نهاية المطاف إلا لرب هذا البيت.