“بين العلم والتطبيق.. التحديق في مرآة الوحي ومأزق الهروب إلى المجهول”
البيضاء نت | تقرير خاص
النداء المعلق في فضاء الواقع، في عالم يموج بالتحولات المتسارعة، وتتجاذبه المصالح المادية، يجد الإنسان المعاصر نفسه محاصراً بأسئلة الوجود والمسؤولية، الأخطر من الجهل بالحق، هو “العلم به والهروب منه”. ينطلق هذا التقرير من قراءة تدبرية في نصوص القرآن الكريم، ليفكك إشكالية عميقة: كيف يتحول التوجيه الإلهي من معرفة عقلية إلى التزام واقعي؟ ولماذا يختار البعض “التطأطؤ والهروب إلى المجهول” بدلاً من المواجهة والاستقامة؟
أولاً: فقه الخطاب الإلهي.. لماذا قال الله لرسوله “فَاعْلَمْ”؟
يتساءل الكثيرون أمام النص القرآني في سورة محمد: {فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ}؛ هل كان الرسول ﷺ —وهو المصطفى والمبلغ— يجهل وحدانية الله حتى يُؤمر بالعلم بها؟
يشير علماء التفسير وفقه الدعوة إلى أن الأمر هنا لا يستهدف “إنشاء العلم” بل “الترسيخ، والدوام، والترقي في مراتب اليقين”.
-
تثبيت المبدأ: إن مقام القيادة والرسالة يتطلب ارتباطاً دائمًا ومستمرًا بنبع التوحيد، ليكون هو المحرك لكل تصرف.
-
القدوة والأسوة: الخطاب الموجه للرسول هو خطاب لأمته بالتبعية؛ فإذا كان الرسول المعصوم مأموراً بـ”العلم” والـ”استغفار”، فكيف بمن دونه؟
-
التلازم بين العقيدة والعمل: يربط النص بين التوحيد (لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ) وبين العمل والحركة (وَاسْتَغْفِرْ… وَلِلْمُؤْمِنِينَ). التوحيد ليس مجرد نظرية جافة، بل هو منهج حياة واستشعار دائم للمسؤولية تجاه الأمة.
ثانياً: سيكولوجية “الإعراض” والهروب إلى المجهول
تنقلنا الآيات في سورة فصلت إلى واقع النفس البشرية وتناقضاتها: {فَاسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ وَاسْتَغْفِرُوهُ وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ الَّذِينَ لَا يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ…}. هنا نجد تشخيصاً دقيقاً لحالة الهروب والتهرب التي يعيشها البعض عند سماع آيات الله (الآمرة بالتوحد، الأخوة، الإنفاق، والجهاد).
توصيف الحالة النفسية للهارب:
“يطأطئ رأسه، ويمشي مدري فين، يتجه كذاك، يريد يهرب إلى المجهول، يحاول يعرض!”.
هذا التوصيف البليغ يجسد “الهروب النفسي والعملي”؛ فعندما تصطدم التكليفات الإلهية (التي تتطلب تضحية بالمال، والوقت، والجهد لإعلاء كلمة الله) مع مصالح الإنسان الضيقة أو خوفه، يلجأ إلى استراتيجية “الإعراض البصري والفكري”. يحاول إغلاق عينيه وأذنيه وكأن الأمر لا يعنيه، متناسياً السؤال الوجودي الحتمي: أين ستذهب؟ ومن ماذا تهرب وإلى أين؟
ثالثاً: واقعنا المعاصر.. التصفيق للباطل وحصاد الحسرات
إذا أسقطنا هذه الرؤية على واقعنا الحالي، نجد أن الأزمة الحقيقية ليست في “عدم سماع الآيات”، بل في “التعامل التجاهلي” معها.
الموجهات القرآنية |
السلوك الواقعي المعاصر |
النتيجة المتوقعة (المآل) |
الأمر بالتوحد والأخوة |
الغرق في النزاعات، التمزق، وإثارة النعرات الطائفية والمناطقية. |
الضعف والهوان والاستقواء بالخارج. |
الإنفاق في سبيل الله |
الشح، الأنانية، واكتناز الأموال وتوجيهها للمظاهر الترفية. |
اتساع الفجوة الطبقية وفقدان التكافل. |
العمل لإعلاء كلمة الله ونصرة دينه |
التطأطؤ، المداهنة، والتصفيق للمشاريع الباطلة والظالمة. |
حسرات تقطع القلوب في الآخرة وخسران في الدنيا. |