غزة تحت ساطور الحصار وإعادة الهندسة: دماء جديدة، أمراض تفتك بالصغار، وخطط إسرائيلية لـ “عسكرة رفح”

البيضاء نت | تقرير خاص 

 في مشهد يتداخل فيه الأنين الإنساني مع التعقيدات العسكرية والسياسية القاتمة، واصلت آلة الحرب الإسرائيلية، اليوم، فرض واقعها الدموي والمتردي على مختلف الأراضي الفلسطينية. وبينما ترزح قطاع غزة تحت وطأة أزمات معيشية وصحية كارثية تفترس أجساد الأطفال، تكشف الأروقة العسكرية الإسرائيلية عن مشاريع تهجير وتكريس احتلالي مقنّع تحت ستار “إعادة الإعمار”، في وقت تستمر فيه الضفة الغربية والقدس في مواجهة موجات غير مسبوقة من الاستيطان والاعتداءات اليومية.

 

أولاً: مشهد قطاع غزة.. إبادة صامتة وأزمات صحية تنهش الطفولة

لم تقتصر التطورات الميدانية في قطاع غزة اليوم على لغة الرصاص والدم، بل تعدتها لتشمل حرباً بيئية وصحية تدار ببطء ضد المدنيين:

  • نزيف بشري مستمر: سُجل اليوم استشهاد فلسطيني وإصابة آخرين بنيران الاحتلال في متفرقات القطاع، بالتزامن مع تواصل عمليات النسف المتعمد للمربعات السكنية وتوغلات محدودة تركزت في محاور خان يونس ورفح.

  • بدعة “إعمار رفح” تحت السيطرة العسكرية: في خطوة تكشف النوايا بعيدة المدى، صادق رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ووزير الدفاع يسرائيل كاتس رسمياً على البدء الفعلي بأعمال مشروع ما يسمى “إعمار رفح” في الأطراف الشرقية للمدينة. غير أن هذا المشروع المزعوم يدار بقبضة عسكرية أمنية صارمة، مما يعكس مساعي إسرائيلية واضحة لتقسيم القطاع وتكريس عزل أجزاء حيوية منه عبر هندسة ديموغرافية وأمنية تخدم أهداف الاحتلال الاستراتيجية.

  • كارثة صحية وإنسانية مروعة: حذرت تقارير حقوقية وصحية دولية ومحلية من انفجار وشيك للوضع الصحي في مخيمات النازحين؛ إذ تفشت أمراض جلدية معدية وخطيرة كمرض “جدري الماء” بشكل واسع بين الأطفال جراء انعدام النظافة وشح المياه الصالحة للاستخدام. والأدهى من ذلك، هو تفشي ظاهرة “التقزم ونقص الوزن الحاد” التي باتت تهدد نحو خُمس أطفال القطاع، نتيجة الحصار المطبق الذي يحرمهم من أبسط مقومات التغذية السليمة والمستلزمات الطبية، في إشارة واضحة إلى استخدام سلاح التجويع كأداة ضغط استراتيجية.

 

ثانياً: الضفة الغربية والقدس المحتلة.. جبهة اشتعال دائم ومداهمات ليلية

وفي الضفة الغربية والقدس، تواصل قوات الاحتلال وميليشيات المستوطنين فرض حصار خانق ووتيرة متصاعدة من الانتهاكات:

  • حملات مداهمة واعتقال: شنت قوات الاحتلال فجر اليوم وأثناء النهار حملات اقتحام واسعة طالت مدناً ومخيمات عدة في الضفة، تخللتها عمليات تفتيش همجية للمنازل، واحتجاز واعتقال عدد من المواطنين، فضلًا عن تشديد الخناق على الحواجز العسكرية التي تفصل بين المحافظات وتُعطل شرايين الحياة الاقتصادية والاجتماعية.

  • الزحف الاستيطاني: لم يتوقف المستوطنون عن العربدة والاعتداء على ممتلكات المزارع الفلسطيني، متزامناً مع طرح دوائر الاحتلال مخططات وعطاءات جديدة لتوسيع مستوطنات قائمة وخلق بؤر استيطانية رعوية جديدة تهدف إلى ابتلاع ما تبقى من الأراضي الفلسطينية وعزل التجمعات السكانية عن بعضها البعض.

 

ثالثاً: الأفق السياسي المتعثر.. مراوغة إسرائيلية وضغوط دولية مكبلة

على الطاولة السياسية والدبلوماسية، تبدو مسارات التهدئة مسدودة بفعل التعنت الإسرائيلي:

  • تعطيل اتفاق غزة: تصر حركة “حماس” والفصائل الفلسطينية على التمسك ببنود خارطة الطريق ومقترحات وقف إطلاق النار السابقة، متهمة حكومة الاحتلال بالتراجع عن تفاهمات القاهرة ووضع شروط وتعقيدات جديدة تهدف إلى إفشال جهود الوسطاء وإطالة أمد الحرب.

  • مأزق حكومي وضغوط دولية: تشهد العواصم الإقليمية حراكاً دبلوماسياً محموماً لبلورة موقف موحد يضغط باتجاه وقف نزيف الدم، بينما تتخبط الإدارة الأمريكية في محاولات فاشلة للضغط على حكومة نتنياهو اليمينية التي تواجه انقسامات داخلية حادة حول إدارة المعركة ومستقبل القطاع، مما يترك القضية الفلسطينية برمتها رهينة لحسابات سياسية ضيقة وميدان مشتعل لا يعرف التهدئة.