“الخنق الاقتصادي” يواجه “عسكرة المضائق”: واشنطن تُنهي الدبلوماسية، والاحتلال يخرق الخطوط الكيميائية جنوباً 

المشهد الاستراتيجي العام

البيضاء نت | تقرير طلال نخلة 

في اليوم التاسع والستين لتوقيع مذكرة التفاهم (الثلاثاء 25 آب 2026 – اليوم 178 للحرب)، طوت واشنطن صفحة الدبلوماسية كلياً لتبدأ ما أسمته عملية “المنبوذ الاقتصادي” لتركيع طهران من الداخل. يتزامن هذا الخنق مع ظهور أزمات معيشية حادة في شوارع إيران، في وقت تحاول فيه الإدارة الأمريكية تسويق انتصار بحري في هرمز سرعان ما تكذبه استهدافات السفن وانسحاب عمالقة الشحن الصينيين. وعلى الجبهة اللبنانية، يستخدم الاحتلال الإسرائيلي الغازات السامة في مرتفعات “علي الطاهر” لإجبار المقاومة على الانكفاء، بينما تُرسل واشنطن إشارات متناقضة بإعادة دبلوماسييها إلى المنطقة، مما يشي بأنها لا تتوقع العودة إلى حرب شاملة.

المحور الأول: استراتيجية “المنبوذ الاقتصادي” وانعكاساتها الداخلية

أعلن وزير الخزانة الأمريكي إطلاق عملية “المنبوذ الاقتصادي” لخنق اقتصاد ونظام إيران، معلناً تعليق تراخيص عامة كانت تسمح ببعض التحويلات المالية.

أمر الرئيس الأمريكي دونالد ترمب فريقه المفاوض بوقف المحادثات مع إيران بعد أسابيع من الجمود، لتتحول الاستراتيجية إلى “خنق” البلاد تدريجياً.

صرح وزير الخزانة الأمريكي سكوت بيسنت بأن الضغط يعمل، مستشهداً بتصريحات للرئيس الإيراني مسعود بزشكيان ورئيس البرلمان محمد باقر قاليباف حول الأزمات الاقتصادية، متوعداً بقطع كل شريان حياة للنظام.

انخفضت العملة الإيرانية إلى مستوى قياسي تاريخي متجاوزة حاجز مليوني ريال مقابل الدولار الأمريكي، مع اقتراب التضخم من 90%.

بدأت آثار الحصار تظهر في الداخل الإيراني عبر طوابير طويلة أمام محطات الوقود وإغلاق بعضها، مع تسجيل عجز يُقدر بـ 15 مليون لتر يومياً من البنزين نتيجة تضرر قدرات التكرير خلال الحرب.

أكد المتحدث باسم الحرس الثوري أن طهران أعدت سيناريوهات لمواجهة الحرب الاقتصادية، بينما يسعى الحرس لتعزيز التماسك الداخلي وتعيين قيادات خبيرة بمواجهة الاحتجاجات (كحسين طائب) خشية استغلال واشنطن للوضع المعيشي.

أكد وزير الاقتصاد الإيراني وجود برامج احترازية لمواجهة العقوبات عبر مخزون العملات الأجنبية وتنوع طرق التجارة.

المحور الثاني: الدبلوماسية المتعثرة والصفعة الصينية

أكد مسؤول في البيت الأبيض أنه لا توجد أي محادثات أو نقاشات قائمة أو مجدولة مع إيران حالياً.

زار قائد الجيش الباكستاني عاصم منير طهران ونقل شروطها إلى الجانب الأمريكي، والتي ترتكز على عودة واشنطن لمذكرة إسلام آباد وتنفيذ الترتيبات الإيرانية في هرمز، نافياً حمله لأي رسائل تهديد أمريكية.

استقبل وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي نظيره العماني بدر البوسعيدي في طهران، وسط تقارير عن إحراز تقدم في المحادثات الثنائية لتنظيم الملاحة.

أجرى الرئيس ترمب اتصالاً بنظيره الصيني لتثبيت العقوبات الثانوية، إلا أن الخارجية الصينية ردت برفض العقوبات وأساليب الضغط، مؤكدة أنها “ستدافع بحزم” عن مصالحها.

تستعد وزارة الخارجية الأمريكية لإعادة الدبلوماسيين إلى سفاراتها في الشرق الأوسط (بما فيها إسرائيل، لبنان، ودول الخليج) وتخفيف تدابير الطوارئ، مما يشير إلى أن الإدارة الأمريكية لا تتوقع عودة القتال الشامل.

المحور الثالث: معركة هرمز.. تناقض أمريكي وانسحاب صيني

زعم الرئيس ترمب أن البحرية الأمريكية أزالت أو فجرت جميع الألغام في مضيق هرمز، متوعداً بتدمير أي سفينة تزرع ألغاماً جديدة، ومؤكداً السيطرة التامة على المضيق.

كذّب الميدان الادعاءات الأمريكية؛ حيث أبلغت هيئة عمليات التجارة البحرية البريطانية (UKMTO) عن تعرض سفينة لهجوم بمقذوف مجهول أثناء مغادرتها هرمز، ما أدى لأضرار في المحركات وإصابة بحّار.

أوقفت شركتا الشحن الصينيتان العملاقتان “كوسكو” و”تشاينا ميرشانتس” إرسال ناقلات النفط عبر مضيقي هرمز وباب المندب كلياً بسبب الصراع المستمر.

أصدرت هيئة مضيق هرمز الإيرانية تحذيراً بفرض غرامات ومصادرة للسفن التي تخالف ترتيباتها، مهددة بوضع أي سفينة تتعاون مع السفن المخالفة على القائمة السوداء.

أوقفت إيران 3 ناقلات نفط صينية كانت تنقل أو تتجه لتحميل نفط عراقي، وسط شكوك بأن واشنطن والإمارات تستأجرانها لتهريب النفط.

رُصد نشاط جوي أمريكي مكثف فوق المضيق شمل 5 طائرات تزويد بالوقود (KC-135R) وطائرة استطلاع (P-8A)، بالتزامن مع دوريات مكثفة لـ 20 زوارق سريع تابع للحرس الثوري في المسار الإيراني.

المحور الرابع: لبنان.. الغاز السام واستراتيجية الأرض المحروقة

كشفت معلومات ميدانية أن الجيش الإسرائيلي لا يزال يستخدم “الغاز السام” خلال محاولته التقدم نحو مرتفعات “علي الطاهر”.

أدى الهجوم بالغاز سابقاً إلى ارتقاء شهيدين، واضطرار باقي عناصر المقاومة للانسحاب من إحدى المنشآت الصغيرة.

واصل جيش الاحتلال الإسرائيلي سياسة الأرض المحروقة، منفذاً 3 تفجيرات ضخمة طالت بلدتي بني حيان وطلوسة.

صرح توم باراك (أحد مهندسي سياسات ترمب) بأن وجود حزب الله وإيران ضروري ضمن أي تسوية للصراع، مما يعكس واقعية أمريكية تتعارض مع طموحات الإلغاء الإسرائيلية.

اتهم رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو إيران بمحاولة قتل أحد أبنائه، في تصعيد خطابي يعكس عمق الأزمة الداخلية.

الخلاصة والمآلات الاستراتيجية
تُظهر وقائع اليومين الماضيين أن الصراع انتقل إلى مرحلة “العض على الجراح” الاقتصادية والسياسية. تعول واشنطن كلياً على سلاح التجويع وتأليب الداخل الإيراني، مستغلة أزمات المحروقات والعملة، في حين تعتمد طهران على حلفاء كالصين لكسر الحصار، وتوظف أوراقها الميدانية لرفع تكلفة التأمين والشحن عالمياً.
في لبنان، يُمثل استخدام الاحتلال للغازات السامة في “علي الطاهر” عجزه عن حسم المعارك البرية التقليدية، ويُثبت أن إسرائيل مستعدة لخرق كافة المحرمات لتحقيق إنجاز تكتيكي قبل أي تسوية.
المآل القادم: عودة الدبلوماسيين الأمريكيين إلى المنطقة هي المؤشر الأقوى على أن إدارة ترمب تريد الاكتفاء بحرب “العقوبات والاستنزاف الموضعي” دون الانزلاق لمواجهة عسكرية إقليمية كبرى. هذا الستاتيكو يعني استمرار المعاناة الاقتصادية لطهران وحرب العصابات القاسية في جنوب لبنان، حتى تقتنع واشنطن وتل أبيب بأن الحصار لن يجلب الاستسلام، بل سيولد مزيداً من تعطيل الممرات المائية الحيوية.