“الحرب المصغرة” في قشم وعسكرة الفضاء الأوروبي عشية الاستحقاق الانتخابي

البيضاء نت | تقرير طلال نخلة 

في يوم الثلاثاء، 3 نوفمبر/تشرين الثاني 2026، ومع توجه الناخبين الأمريكيين إلى صناديق الاقتراع، انتقل مسار الأزمة بين طهران وواشنطن من حافة الهاوية إلى الاشتباك العسكري المنضبط. كشفت الضربات الأمريكية على جزيرة قشم الإيرانية عن استراتيجية واشنطن لتدشين مرحلة “الحرب التكتيكية المحدودة” بهدف استعادة جزء من الردع في مضيق هرمز، بالتزامن مع توظيف انتخابي للخطاب العسكري. في المقابل، ردت طهران بتصعيد خطابها الاستراتيجي نحو “الأقلمة الشاملة”، مُلوّحة بأسلحة عابرة للقارات وقدرات استهداف تطال العمق الأوروبي والأمريكي، مما يؤكد أن كلا الطرفين يستخدم “النار” لفرض شروط تسوية تزداد تعقيداً مع انهيار المبادرات القطرية.

المحاور الرئيسية:

1. ضربات قشم وتأطير “الحرب المحدودة”:

– الاستهداف والاعتراف: شنّت الولايات المتحدة ضربات جوية على جزيرة قشم الإيرانية، حيث سُمع دوي انفجارات واستُهدفت منظومات دفاع جوي تابعة للحرس الثوري. وفي خطوة نادرة، تبنى الرئيس ترامب هذه الضربات صراحةً، واصفاً إياها بأنها “هجوم طفيف ومحدود” لتدمير قدرات مضادة للطائرات كانت قيد البناء، ومُقللاً من شأنها باعتبارها “ليست حرباً”، بل إجراءً دفاعياً بعد استهداف الطائرات الأمريكية.
– حرب الاستنزاف الملاحي: يتزامن هذا القصف مع تقارير عن اصطدام 3 ناقلات نفط بألغام في مضيق هرمز بعد استخدامها “مسارات غير مصرح بها”، وفق الإعلام الرسمي الإيراني. وقد استعرض الحرس الثوري أنفاقاً صاروخية تحت الأرض تضم زوارق هجومية سريعة وصواريخ مضادة للسفن، في رسالة تؤكد تحكم طهران الفعلي في الممر المائي الحيوي، رغم تأكيدات ترامب بسيطرته عليه.
– صيد المسيرات: أعلن الحرس الثوري السيطرة على طائرتي استطلاع أمريكيتين (MQM-170) جنوب قشم، وإسقاط طائرة (MQ-9) شرقي المضيق.

2. الردع الإيراني العابر للقارات و”الرهينة” الأوروبية:

– عسكرة القارة الأوروبية: في تصعيد نوعي، هدد النائب الإيراني كامران غضنفري باستهداف المصالح العسكرية والاقتصادية للدول الأوروبية (داخل أراضيها) إذا قدمت تسهيلات للهجمات الأمريكية. وقد حددت وسائل إعلام إيرانية منشآت أمريكية وأطلسية في قبرص، اليونان، رومانيا، إيطاليا، وبريطانيا كأهداف محتملة.
– رسائل “الرعب النفسي” في أوروبا: في توقيت متزامن ومثير للريبة، تعرضت 4 رحلات طيران في أوروبا (إلى وارسو، بلغاريا، وإسبانيا) لتحذيرات كاذبة بوجود قنابل. هذه “الإنذارات الكاذبة” قد تُقرأ كجزء من حرب نفسية (حرب هجينة) تهدف إلى إرباك المجال الجوي الأوروبي وتأكيد هشاشته أمام أي تصعيد محتمل.
– الصواريخ الباليستية والقدرة النووية: لم يكتفِ غضنفري بتهديد أوروبا، بل صرّح بامتلاك إيران صواريخ عابرة للقارات قادرة على الوصول إلى الولايات المتحدة، مُلمحاً إلى قدرة طهران على بناء سلاح نووي واستخدامه إذا استُهدفت نووياً، وهو ما يرفع سقف المواجهة إلى مستويات وجودية.
– الهيكل الأمني البديل: صرّح اللواء الإيراني عبد اللهي بأن إيران فرضت واقعاً يُمكّن دول المنطقة من تأمين نفسها دون “المظلة الأمريكية”، مؤكداً أن بند “إنهاء الحرب في لبنان وغزة” هو الأساس لأي خطة أمنية، وهو ما يفسر التصلب الإيراني في المفاوضات.

3. الانهيار الدبلوماسي والمأزق الإسرائيلي المزدوج:

– سقوط المبادرة القطرية: بعد الحديث عن اختراق وشيك، رفضت طهران رسمياً الادعاءات باقتراب تسوية، مؤكدة لوكالة رويترز أن الاتفاق “بعيد المنال” بسبب “المطالب الأمريكية المفرطة”. واشترطت إيران تلبية شروطها السبعة (ومنها فتح المضيق ورفع الحصار) قبل أي تفاوض نووي لاحق.
– تجميد المساعدات لإسرائيل: في مفاجأة سياسية، صرح ترامب بأنه اتفق مع نتنياهو على وقف المساعدات السنوية الأمريكية لإسرائيل (4 مليارات دولار) بحلول نهاية العام، معتبراً أن إسرائيل “لم تعد بحاجة إليها”. هذه الخطوة، رغم وصف ترامب لإسرائيل بالحليف العظيم، قد تعمق المأزق الاقتصادي والعسكري الإسرائيلي.
– التصعيد على جبهة لبنان: كشفت مصادر دبلوماسية إسرائيلية لصحيفة “الجمهورية” و”معاريف” عن نقل جزء كبير من قوات الاحتياط من الضفة الغربية إلى الحدود الشمالية، ورفع الجاهزية للحد الأقصى تحسباً لفتح جبهة واسعة مع حزب الله في غضون أيام، تزامناً مع الضربة المحتملة لإيران بعد إعلان نتائج الانتخابات.

4. الجسر الجوي وعسكرة الجبهات الموازية:

– التحشيد اللوجستي: تتواصل عمليات الدعم العسكري الأمريكي؛ حيث تتجه دفعة ثانية من طائرات النقل (C-17) من تكساس إلى قاعدة “عوفدا” الإسرائيلية (ليصل المجموع إلى 16 رحلة)، ما يشير لنقل معدات ثقيلة أو منظومات دفاع جوي (مثل باتريوت)، بالتوازي مع رحلات نحو قاعدة “علي السالم” في الكويت.
 – الجبهة اليمنية: أعلنت قوات أنصار الله قصف تحشيدات سعودية (تابعة للضابط فارس الشمري) شرق الجوف، وفي رأس العارة والمضاربة، بالصواريخ الباليستية، ما يعكس استمرار استراتيجية استنزاف الجبهات المساندة.

الخلاصة والمآلات الاستراتيجية:
إن الضربات المحدودة في قشم، والتهديدات الإيرانية بضرب أوروبا بصواريخ عابرة للقارات، تؤكد أن مرحلة “الستاتيكو” قد انتهت، وأن الطرفين يمارسان “الردع بالنار”. في حين يوظف ترامب هذه الضربات المحدودة لتعزيز موقفه الانتخابي دون الانجرار (حتى الآن) لحرب شاملة، تؤسس طهران لمعادلة ردع إقليمية وعالمية لا تستثني أحداً. المآل الأرجح بعد انقشاع غبار الانتخابات الأمريكية هو أن تُجبر الإدارة القادمة على الاختيار بين الانزلاق نحو حرب كارثية تهدد أسواق الطاقة والاستقرار الأوروبي، أو القبول بالتنازلات المطلوبة إيرانياً (وفي مقدمتها رفع الحصار ووقف حرب غزة ولبنان)، لا سيما بعد إثبات طهران قدرتها على شل مضيق هرمز وإفشال المبادرات الدبلوماسية المجتزأة.