مفاوضات العدو السعودي مع صنعاء.. سلام على الطاولة ومؤامرة نفوذ على الأرض

البيضاء نت | تقرير  طارق الحمامي

تجربة سنوات من المفاوضات تكشف كيف تحولت التفاهمات إلى فرصة لإعادة ترتيب أوراق الصراع وتأجيل استحقاقات إنهاء العدوان والحصار،  لم يكن تعثر المفاوضات بين صنعاء والعدو السعودي خلال السنوات الماضية مجرد نتيجة لخلافات سياسية أو تعقيدات فنية، بل تكشف مسيرتها الممتدة من عام 2015 حتى 2026 عن تناقض جوهري بين خطاب السلام للعدو السعودي وممارساته على الأرض،  فبينما هو كان يتحدث عن التسوية وإنهاء الحرب، تكشف تحركاته السياسية والاقتصادية والعسكرية عن مسار موازٍ لإعادة ترتيب موازين القوى، وتعزيز أدوات نفوذه، وإبقاء القرار اليمني ضمن دائرة حساباته الإقليمية، بينما تدخل صنعاء المفاوضات على أساس إنهاء العدوان ورفع الحصار، ومعالجة آثار العدوان، واحترام سيادة اليمن واستقلال قراره؛ فيما تنطلق مقاربة العدو السعودي، وفق ممارساته القذرة،  من محاولة احتواء صنعاء ضمن منظومة النفوذ التي أدار بها  علاقته بالقوى اليمنية لعقود،  وهنا يتجلى جوهر الصراع، بين سلام تريده صنعاء لإنهاء العدوان واستعادة السيادة، وتسوية يريدها العدو السعودي لإعادة إنتاج النفوذ والوصاية.

المفاوضات.. وقت إضافي لإعادة ترتيب أوراق الصراع

تكشف تجربة الهدنة الأممية عام 2022 وتفاهمات خارطة الطريق في ديسمبر 2023 أن التوصل إلى تفاهمات أولية لم يكن كافياً للانتقال إلى التنفيذ، فقد ظلت الملفات الأساسية معلقة، وفي مقدمتها صرف المرتبات، ورفع القيود الاقتصادية، واستئناف صادرات النفط، وفتح المنافذ، وإنهاء التدخل العسكري، وفي المقابل، استمرت التحركات السياسية والعسكرية والاقتصادية خلال فترات التفاوض، بما جعل الوقت نفسه جزءاً من معادلة الصراع، فبدلاً من أن تتحول التهدئة إلى جسر نحو السلام، أصبحت مساحة لإعادة ترتيب المواقع وتحسين الشروط التفاوضية، فيما ظل الشعب اليمني يتحمل كلفة الانتظار وتداعيات استمرار الأزمة.

مؤامرة النفوذ على الأرض

خلال سنوات التفاوض، اتخذ تحرك العدو السعودي ثلاثة مسارات متوازية تكشف طبيعة المعادلة التي يجري العمل عليها، الأول تمثل في إعادة تشكيل معسكر التبعية السياسية، حيث واصل العدو السعودي دعم مجلس قيادي للمرتزقة وتشكيل حكومة في عدن، مع استمرار اعتماد مؤسساتهما على الإسناد الخارجي وضعف استقلالية القرار،  وجاءت تحولات يناير 2026 وتراجع نفوذ المجلس الانتقالي الجنوبي لتكشف حجم التنافس السعودي الإماراتي على مراكز النفوذ، ودور العدو السعودي في إعادة ترتيب مكونات المعسكر الموالي لها، والمسار الثاني تمثل في توظيف الاقتصاد أداة للضغط، وتزامنت المفاوضات مع إجراءات مصرفية واقتصادية عمّقت الانقسام النقدي، وفي مقدمتها محاولة نقل البنوك من صنعاء إلى عدن، بالتوازي مع العقوبات الأمريكية والإجراءات المالية التي زادت تعقيدات النشاط الاقتصادي،  وهكذا أصبح الاقتصاد ساحة موازية للصراع، وانتقلت كلفته إلى المواطنين والتجار والقطاع المصرفي، بدلاً من أن يكون مدخلاً لمعالجة الأزمة الإنسانية، ثم انتقلت لمسار ثالث على الأرض تمثل في بناء أدوات عسكرية لتعزيز النفوذ، من خلال تشكيلات عسكرية مرتبطة بالدعم السعودي، وفي مقدمتها قوات درع الوطن، إلى جانب تشكيلات أخرى، بما يعكس توجهاً لإعادة بناء مراكز قوة عسكرية وأمنية خارج البنية التقليدية للمؤسسات العسكرية، وهكذا لم تكن التحركات مقتصرة على طاولة المفاوضات، بل امتدت إلى تشكيل البيئة السياسية والاقتصادية والعسكرية التي ستتحكم بشروط أي تسوية مقبلة، حتى الملفات الإنسانية رهينة حسابات المماطلة، ولم يسلم ملف الأسرى والمعتقلين من هذه المعادلة؛ إذ ظلت التفاهمات المتعلقة به عرضة للتأخير والخلافات الإجرائية ومناقشة القوائم والمواعيد، بما أدى إلى إطالة معاناة المحتجزين وعائلاتهم، وتكشف هذه التحركات كيف يمكن أن تتحول الإجراءات الفنية إلى مسارات تفاوضية ممتدة، تؤجل النتائج الإنسانية وتضعف الثقة بجدية الالتزامات، خصوصاً عندما تغيب الضمانات والجداول الزمنية الملزمة.

جوهر المؤامرة.. احتواء صنعاء بدلاً من إنهاء العدوان والحصار

تكمن العقدة الأساسية في طبيعة العدو السعودي ومنهجيته القائمة على الخداع والمراوغة فهو تسعى، إلى التعامل مع حكومة صنعاء باعتبارها مكوناً يمنياً يمكن احتواؤه ضمن شبكة النفوذ السعودية، وإعادة توزيع العلاقات والحصص بين القوى اليمنية، مع احتفاظ المملكة بموقع المرجعية العليا في تقرير مستقبل اليمن،
أما حكومة صنعاء فتتعامل مع  العدو السعودي باعتباره الطرف الذي قاد العدوان على الجمهورية اليمنية، وتطالب بأن تنطلق التسوية من مسؤولياتها والتزاماتها، لا من محاولة تحويلها إلى طرف داخلي يخضع لمعادلات الوصاية والتبعية، وهنا يظهر التناقض الذي أفشل المفاوضات السابقة،  فالعدو السعودي يريد أن يفاوض صنعاء بوصفها مكوناً يمنياً يجب ان يكون خاضع له،  وحكومة صنعاء تريد أن تفاوض العدو السعودي بوصفه الطرف الذي شن العدوان ويتحمل مسؤوليات إنهائها، إن محاولة تقديم العدو السعودي وسيطاً بين مكونات يمنية، مع تجاوز مسؤوليته عن التدخل العسكري وتداعياته، تعني القفز على أصل المشكلة.

لا سلام تحت مظلة النفوذ والوصاية

إن محصلة سنوات من المفاوضات تؤكد أن استمرار التفاهمات الشكلية دون تنفيذ الاستحقاقات الجوهرية لن يقود إلى سلام مستدام،  فالتسوية التي تترك الحصار قائماً، وتبقي الاقتصاد رهينة الانقسام، وتسمح باستمرار التدخل في القرار اليمني، ليست إنهاءً للعدوان والحصار، بل إعادة إنتاج لها بأشكال مختلفة، لقد تغيرت معادلات الصراع، ولم يعد ممكناً افتراض أن استمرار حالة اللاسلم واللاحرب سيبقي كلفتها محصورة في الداخل اليمني، فاستمرار الحصار يفرض أعباء أمنية واقتصادية وسياسية متزايدة على المنطقة بأسرها، وعليه، فقد تحركت حكومة صنعاء لقطع الطريق على مراوغة العدو وسياسة شراء الوقت وإعادة ترتيب النفوذ، واعلن عن معادلة جديدة لإجباره على وقف التدخل، ورفع الحصار، ومعالجة الملفات الاقتصادية والإنسانية، واحترام سيادة اليمن واستقلال قراره، فالسلام الحقيقي لا يكون على الطاولة فيما تستمر مؤامرات النفوذ على الأرض؛ ولا يمكن للعدو السعودي أن يجمع بين دور الطرف الذي قاد العدوان ودور الوصي الذي يحدد لليمن شكل مستقبله،  إن إنهاء العدوان يبدأ بالاعتراف بمسؤولياته،  واحترام سيادة اليمن، والتخلي عن أوهام الهيمنة والوصاية ورفع حصاره دون قيد أو شرط .