زلزال الكونغرس يُسرّع وتيرة الحسم العسكري.. ترامب يهرب للأمام وطهران تُشرعن استهداف العمق الغربي

البيضاء نت | تقرير طلال نخلة

في اليوم الخامس من نوفمبر/تشرين الثاني 2026، وعلى مسافة 141 يوماً من توقيع “مذكرة التفاهم” و250 يوماً من اندلاع الحرب، يتأرجح المشهد الإقليمي بين ذروة الحراك الدبلوماسي وحافة الصدام العسكري الشامل. تُظهر مجريات الساعات الماضية تآكلاً متسارعاً لاستراتيجية “الردع والمفاوضات” الأمريكية المزدوجة؛ فبينما تقرع الإدارة الأمريكية طبول ضربات “واسعة النطاق”، وترد طهران باستراتيجية “الأقلمة الشاملة”، وتستمر حرب الظل السيبرانية والبحرية في شل الاقتصاد والأمن الغربي. وفي ظل التحولات السياسية العميقة في الكيان وهزيمة ترامب التشريعية في الانتخابات النصفية، يبدو أن قرار التصعيد العسكري قد تجاوز حسابات الدبلوماسية، لينحدر نحو حرب ستستهدف شرايين الطاقة العالمية والبنى التحتية التكنولوجية.

المحاور الرئيسية:

1. الردع الإيراني: “وحدة الساحات” والرسائل الاستراتيجية نحو موسكو

– ثوابت خامنئي: أصدر المرشد الأعلى مجتبى خامنئي توجيهات حاسمة تقضي برفض أي مراهنة على تغيير السياسة الأمريكية عبر التنازلات. واعتبر ممارسة السيطرة على مضيق هرمز وتدمير القواعد الأمريكية “جهاداً ابتدائياً” رداً على العدوان، مُهدداً بأبعاد أوسع بكثير في حال تكرار الاعتداءات.
– وحدة الساحات: بناءً على رسالة المرشد بمواجهة العدو “بلا قيود جغرافية”، أعلن قائد “قوة القدس” العميد إسماعيل قاآني ولاء جبهة المقاومة المطلق لمبدأ “وحدة الساحات”.
– التموضع الروسي-الإيراني: في تحرك دبلوماسي استراتيجي، سلّم أمين المجلس الأعلى للأمن القومي، محسن رضائي، رسالة من المرشد خامنئي للرئيس الروسي فلاديمير بوتين. وركزت المباحثات على الترتيبات الأمنية لما بعد الحرب، وتحويل إيران إلى “مركز إقليمي للغاز” عبر اتفاقيات كبرى لبناء خطوط أنابيب وتصدير الغاز الروسي إلى الجوار. هذا التحرك يُشكل مظلة أوراسية لطهران، ويؤكد سعيها لتشكيل هندسة أمنية جديدة بعيداً عن الهيمنة الغربية.

2. حرب الاستنزاف في الخليج والجبهة التكنولوجية

– استمرار اختناق هرمز: تتواصل حرب المضائق بشراسة؛ حيث أعلنت بحرية الجيش الإيراني اصطدام ناقلتي نفط بألغام بحرية شرقي مضيق هرمز بعد مخالفتهما للتعليمات وإيقاف أنظمة الملاحة.
– حرب المسيرات والحرب الإلكترونية: أسقطت منظومات الحرب الإلكترونية للحرس الثوري خمس مسيرات أمريكية استطلاعية من طراز (MQM-170) فوق جزيرة قشم، واثنتين من طراز “لوكاس”، مما يشير إلى محاولات أمريكية لاستنزاف واستطلاع الدفاعات الجوية الإيرانية.
– رسائل “الرعب النفسي” والسيبراني في أوروبا: في تطور يندرج ضمن “حرب الوعي”، تعرضت أربع رحلات طيران لهبوط اضطراري في مطار براغ، بالإضافة لرحلات في فنلندا، النمسا، وإيطاليا، بسبب إنذارات (يُرجح أنها كاذبة) بوجود قنابل. ويتزامن هذا مع تحذيرات أمريكية من هجمات سيبرانية تطال أنظمة التبريد الصناعية (كما حدث سابقاً في سوبرماركتات أوروبية)، ما ينذر بامتداد الحرب نحو استهداف البنى التحتية المدنية الأوروبية كأداة ضغط على داعمي أمريكا.
– الجبهة اليمنية: أعلنت القوات المسلحة اليمنية عن استهداف مطار الملك فهد الدولي بالدمام بطائرة مسيرة، مؤدية لتعطل الملاحة.

3. تخبط الإدارة الأمريكية وتحشيد “الضربات الواسعة”

– خيار الضربات العسكرية: نقلت “وول ستريت جورنال” و”فوكس نيوز” وأكسيوس أن البيت الأبيض والجيش الأمريكي يدرسان ويستكملان التحضيرات بجدية لشن ضربات عسكرية واسعة النطاق ضد إيران. وتُشير التحركات إلى نشر قوات عمليات خاصة في إسرائيل ونشر 3 بطاريات باتريوت في الإمارات. ورغم أن نيويورك تايمز ذكرت أن الضربات على قشم كانت “محدودة”، فإن القناة 15 الإسرائيلية رجحت احتمال شن ترامب لهجوم محدود على المجال النووي فقط لتجنب استهداف الطاقة.
– الضغط الداخلي (هزيمة التجديد النصفي): أفرزت خسارة الجمهوريين للكونغرس انقساماً في واشنطن. ويشير محللون إلى أن الديمقراطيين يسعون للضغط لإنهاء الحرب، بينما يرى آخرون أن هذه الخسارة (بسبب كلفة الحرب) قد تدفع ترامب للهروب نحو ضربات عسكرية واسعة قبل أن يغادر، وسط توقعات بارتفاع أسهم نائب الرئيس فانس المعارض للحرب.
– “جبل الفأس” والعجز العسكري: في نقاش عسكري دقيق، تواجه إسرائيل والولايات المتحدة عقدة تدمير منشأة “جبل الفأس” الإيرانية المحصنة في أعماق جرانيتية. ولا تمتلك إسرائيل قنابل قادرة على اختراقها، وتعتمد الخيارات الأمريكية على قنابل “بي 61-11” القادرة نظرياً على إحداث صدمة زلزالية، إلا أن امتلاك هذا السلاح وقرار إطلاقه عبر قاذفات استراتيجية يبقى قراراً أمريكياً بحتاً، مما يعكس محدودية القدرة الإسرائيلية المستقلة على حسم الملف النووي.

4. الحراك الدبلوماسي: التفاوض تحت النار
 تتزامن الحشود العسكرية مع استمرار ماراثون المفاوضات عبر الوسطاء (قطر، باكستان، وسلطنة عمان). ورغم إبداء محسن رضائي انفتاحاً طفيفاً على الملف النووي وتراجع إيران عن بعض المواقف، إلا أن طهران اشترطت وقف الحرب في لبنان وغزة كأول بنود الخطة المكونة من خمس نقاط للأمن المستدام.

5. المشهد الإسرائيلي الداخلي: حكومة آيزنكوت والتخوفات الأمنية

– انتهت جولة المشاورات لدى الرئيس الإسرائيلي بتزكية 67 نائباً لغادي آيزنكوت لتشكيل الحكومة، مقابل 46 لنتنياهو (مع دعم القائمة العربية لآيزنكوت من الخارج).
– ويعيش الجيش الإسرائيلي قلقاً بالغاً من التحولات السياسية الأمريكية، معتبراً أن إدارة ترامب الضعيفة انتخابياً توفر “سنتين أخيرتين من النعمة” للتعامل مع الحرب. وفي الشمال، يُتهم حزب الله باستغلال فترة المفاوضات لإعادة التأهيل، في حين يُعرب لبنان عن تخوفات من تصعيد إسرائيلي لاستعادة حرية الحركة في الجنوب حال تعثر الاتفاق.

الخلاصة والمآلات الاستراتيجية:
إن مسار “التفاوض تحت النار” يكاد يستنفد أغراضه. تدرك القيادة الإيرانية (التي تنتقل نحو تحالف جيواقتصادي أوراسي مع روسيا) أن الإدارة الأمريكية الحالية تعيش مأزقاً سياسياً داخلياً خانقاً بعد الانتخابات، وتسعى لاستثمار هذا الضعف لفرض شروطها. في المقابل، قد يرى الجناح المتشدد في واشنطن وتل أبيب (التي تتخبط في تشكيل حكومة جديدة) أن توجيه ضربة “جراحية مكثفة” (وإن اقتصرت على الملف النووي) هو الخيار الأوحد لمنع ترسيخ نفوذ المحور. المآل الأقرب هو انزلاق الأطراف نحو سلسلة من الضربات الكبيرة والاستباقية في قادم الأيام، والتي ستجابه بـ “رد لا يقيده الجغرافيا”، في سياق حرب استنزاف تتجاوز ميادين القتال التقليدية لتطال الفضاء الأوروبي والأمن الطاقوي العالمي.