مجدُ الدين في زمن التحديات.. كيف رسّخ العلامة المؤيدي الهوية الإيمانية وصاغ معالم الثبات العلمي في اليمن
البيضاء نت | تقرير طارق الحمامي
في زمنٍ تلاطمت فيه أمواج التحولات السياسية والفكرية، وتكاثفت فيه مشاريع التغريب والاستلاب، برزت اعلام هداية وهامات علمية حملت على عاتقها مهمة صيانة الهوية وحراسة الثوابت، وفي مقدمة تلك القامات يأتي السيد العلامة الحجة مجد الدين المؤيدي، الذي شكّل حضوره العلمي والروحي أحد أعمدة ترسيخ الهوية الإيمانية في اليمن خلال العقود الأخيرة، وفي ذكرى رحيله، لا يبدو الحديث عنه مجرد استعادة لسيرة عالمٍ جليل، بل هو قراءةٌ في مشروعٍ علمي وفكري أسهم في حماية المرجعية الدينية، وإعادة الاعتبار للهوية الجامعة، وصناعة وعيٍ متماسك في مواجهة محاولات التشويه والاختراق.
التكوين العلمي .. الجذور التي صنعت المرجعية
لم يكن حضور السيد العلامة المؤيدي طارئًا على المشهد الديني، بل جاء امتدادًا لمدرسةٍ علمية راسخة، تشكلت في بيئة زاخرة بالعلماء والمجتهدين، إنها مدرسة آل البيت عليهم السلام تميزت شخصيته العلمية برسوخٍ فقهي وأصولي عميق، وعنايةٍ خاصة بالتحقيق والتدقيق في المسائل، والتزامٍ صارم بالمنهجية العلمية بعيدًا عن التهويل، هذا التكوين لم يصنع عالمًا تقليديًا فحسب، بل أفرز مرجعيةً يُرجع إليها في القضايا الكبرى، ويُحتكم إليها في لحظات الالتباس الفكري، والدلالة الأبرز أن ترسيخ الهوية يبدأ من بناء قاعدة علمية متينة قادرة على الإجابة عن تحديات العصر دون تفريط بالثوابت.
الهوية الإيمانية .. من خطابٍ نظري إلى مشروعٍ عملي
في ظل انفتاحٍ غير منضبط على تيارات فكرية وافدة، أدرك السيد العلامة أن الخطر الأعمق يكمن في تآكل الهوية من الداخل، لذلك لم يتعامل مع “الهوية الإيمانية” كشعار تعبوي، بل كمشروعٍ متكامل يقوم على تعزيز الارتباط بالقرآن الكريم كمصدر هداية شامل، وترسيخ مفاهيم الولاء والبراء في سياقها القرآني، وحماية الانتماء الايماني من التشويه والتحريف، وتحصين المجتمع من موجات التغريب الثقافي، لقد نقل المفهوم من دائرة التنظير إلى دائرة التربية والتكوين، عبر الدروس، والفتاوى، وتخريج جيلٍ واعٍ بقيمه وأصوله، وفي البعد الاستراتيجي فإن الهوية عنده ليست انغلاقًا، بل وعيًا بالذات يحول دون الذوبان، ويمنح الأمة قدرةً على التفاعل من موقع الثبات لا التبعية.
حماية الهوية في زمن التحولات
عاشت اليمن مراحل سياسية وفكرية مضطربة، رافقتها محاولات لإعادة تشكيل الهوية الدينية وتفريغها من مضمونها الأصيل، في هذا السياق، برز دور السيد العلامة كصمام أمان علمي وروحي، تجلّى ذلك في تثبيت الاصول العلمية التقليدية القائمة على الاجتهاد والانضباط، والدفاع عن استقلالية القرار الديني أمام الضغوط المختلفة،
الدلالة العميقة لهذا المسار المهم أن العالم حين يحافظ على استقلاله العلمي، يحفظ للأمة قدرتها على التمييز بين الحق والباطل.
صناعة الأثر .. تلامذة يحملون الرسالة
لم يكن مشروع السيد العلامة المؤيدي فرديًا، بل تأسس على إعداد أجيالٍ من طلاب العلم، لقد آمن بأن بقاء الوعي مرهونٌ بوجود حملةٍ صادقين له ولذلك فتح أبواب حلقات العلم والتدريس، وأولى عناية خاصة بتكوين العلماء الشباب، وشدد على الجمع بين العلم والتقوى والسلوك القويم ، إن الامتداد الحقيقي لدوره يتجلى في شبكةٍ واسعة من التلامذة الذين واصلوا المسيرة، ونقلوا مشروع الهوية إلى مساحات أوسع.
مواقف شجاعة في لحظات مفصلية
لم يكن السيد العلامة عالمًا منزوياً عن أحداث عصره، بل كان حاضراً بمواقفه في القضايا المفصلية، تميزت مواقفه بـالثبات عند اشتداد الضغوط، وتغليب مصلحة الأمة ، هذه المواقف أسهمت في تعزيز الثقة الشعبية به، وجعلت منه رمزًا للاتزان والرصانة في زمن الانفعالات.
قراءة في الإرث .. ماذا تعني ذكرى الرحيل اليوم؟
اليوم، وفي ذكرى وفاته، تتأكد حقيقةٌ مهمة أن الأزمات الفكرية لا تُواجه بالشعارات، بل ببناء وعيٍ متجذر في الأصالة، إرث السيد العلامة يختزل رسائل أساسية ، العلم هو خط الدفاع الأول عن الهوية، الهوية الإيمانية المستقلة ضمانة لاستقرار المجتمع، ومشروع تربية طويل المدى، لا رد فعلٍ عابر.
ختاما ..
إن استحضار سيرة السيد العلامة مجد الدين المؤيدي في ذكراه ليس مجرد وفاءٍ لعالمٍ راحل، بل هو تجديد عهدٍ مع مشروعٍ متكامل. مشروعٌ يرى في العلم مسؤولية، وفي الهوية حصنًا، وفي الثبات موقفًا.
لقد رحل الجسد، لكن المدرسة باقية، والرسالة ممتدة، والتحدي مستمر. وبين الذاكرة والمسؤولية، يبقى السؤال مفتوحًا أمام الأجيال: كيف نصون ما صانه العلماء؟ وكيف نواصل مسيرة الهوية في زمنٍ تتكاثر فيه مشاريع الاستلاب؟