زلزال في أروقة واشنطن .. كيف حوّلت إيران “العدوان” الأمريكي إلى انتحار اقتصادي؟
البيضاء نت | تقرير اقتصادي
لم تكن الصواريخ التي انطلقت في سماء المنطقة مجرد أدوات عسكرية، بل كانت شرارة لزلزال سياسي واقتصادي بدأت ارتداداته تضرب بعنف جدران البيت الأبيض.
اليوم، تعيش واشنطن حالة من الذهول الاستراتيجي؛ فالمواجهة التي أرادها صانع القرار الأمريكي وسيلة لتركيع طهران، تحولت إلى “فخ” نصبه لنفسه، حيث بدأ العصب الاقتصادي للداخل الأمريكي يتآكل تحت وطأة أسعار النفط المشتعلة، وسط تململ شعبي متصاعد وقلق يسود الأروقة السياسية.
هذا التقرير يفكك مشهد “الهرولة” الأمريكية خلف الكواليس، وصراع الأجنحة الذي بدأ يطفو إلى السطح مع غياب “مخرج آمن” من هذه الهاوية.
العصب الذي انقطع: الاقتصاد الأمريكي في عين العاصفة
بدلاً من أن تحقق الضغوط الأمريكية أهدافها، وجد المستهلك الأمريكي نفسه هو من يدفع الثمن في محطات الوقود.
التقارير الغربية تكشف أن الإدارة الأمريكية الحالية باتت تعيش كابوساً اقتصادياً حقيقياً؛ فأسعار البنزين والنفط لم تعد مجرد أرقام في البورصات، بل تحولت إلى “سكين” يقطع حبال الثقة بين الناخب والبيت الأبيض.
وزير الطاقة الأمريكي، كريس رايت، وفي محاولة يائسة لامتصاص الغضب الشعبي، خرج بتصريحات يسعى فيها للتخفيف من حدة المخاوف، معتبراً أن وصول سعر البرميل إلى 200 دولار أمر “غير مرجح”، لكن الصدمة كانت في عدم نفيه كلياً لإمكانية حدوث ذلك.
هذا الإقرار الضمني بوجود “اضطراب كبير” وحاجة ماسة لـ “حلول عاجلة” لعبور أسابيع من شح الطاقة، يعكس حجم الهشاشة التي يعاني منها النظام الاقتصادي الأمريكي أمام أي هزة في إمدادات الطاقة العالمية.
هرولة خلف الكواليس: البيت الأبيض يبحث عن “مخرج طوارئ”
تتحدث تقارير وكالة “رويترز” عن حالة من الاستنفار والهرولة داخل البيت الأبيض وفرق الأمن القومي.
التواصل المكثف مع شركات النفط الكبرى للبحث عن إجراءات تخفف الضغط، لم يعد خياراً بل ضرورة للبقاء السياسي.
ومع ذلك، يبرز التخبط في اتخاذ القرار؛ حيث كشفت التقارير عن صراع أجنحة حاد داخل الإدارة:
- جناح “الواقعية القاسية”: يدفع نحو إنهاء سريع ومحدود للحرب، خوفاً من انهيار الأسواق وتدحرج كرة الثلج الاقتصادية.
- جناح “الهروب إلى الأمام”: يريد مواصلة العدوان رغم الكلف الباهظة، مدفوعاً بحسابات جيوسياسية منفصلة عن واقع الداخل.
هذا الانقسام تجلى بوضوح في القرار “المتناقض” بمنح إعفاء مؤقت لشراء النفط الروسي المنقول بحراً.
إنها المفارقة الكبرى؛ واشنطن التي تفرض العقوبات، تضطر لفتح ثغرات فيها لاحتواء طفرة الأسعار قبل أن ترتد على شعبية ترامب وحزبه في الاستحقاقات الانتخابية المقبلة.
شهادات من الداخل: انتحار الاستراتيجية الأمريكية
لم يأتِ النقد من الخارج فحسب، بل جاء من قلب “الصقور” الذين طالما نادوا بالتشدد. جون بولتون، مستشار الأمن القومي السابق، وجه طعنة نافذة لاستراتيجية ترامب، واصفاً إياها بأنها “تفتقر إلى أهداف واضحة”.
بولتون أكد أن المخططين للحرب سقطوا في اختبار “حساب التبعات”، حيث فاجأتهم قدرة إيران الفائقة على التأثير في الاقتصاد العالمي.
“أنا متفاجئ من تفاجئهم”.. هكذا سخر بولتون من صدمة البيت الأبيض بارتفاع أسعار النفط، مؤكداً أن الجهل بأثر الحرب في منطقة تضخ 20% من نفط العالم هو “فشل يثير اللاستقرار”.
يرى بولتون أن هرولة الرئيس لإبلاغ الجميع بأن “الأمر أوشك على الانتهاء” هي محاولة بائسة لحفظ أسعار النفط ورفع أسعار الأسهم، واصفاً فكرة طرح 400 مليون برميل من الاحتياطي الاستراتيجي بأنها “محاولة أخيرة يائسة” لسد فجوة لم يستعدوا لها مسبقاً.
في السياق ذاته، جاءت انتقادات كوندوليزا رايس لتضع النقاط على الحروف فيما يخص “وهم القوة”؛ حيث اعتبرت أن أهداف ترامب تجاه إيران “لا واقعية”، مؤكدة أنه “من الصعب جداً تغيير نظام من الجو، ومن الأصعب تشكيل المشهد السياسي بعد ذلك”.
استطلاعات الرأي: الشعبية تتبخر مع تصاعد الدخان
الداخل الأمريكي لم يعد يشتري الوعود السياسية؛ حيث أظهرت استطلاعات “رويترز/إبسس” أن غالبية الأمريكيين يتوقعون استمرار ارتفاع أسعار البنزين، مع اعتقاد واسع بأن هذه الحرب ستؤثر سلباً وبشكل مباشر على أوضاعهم المعيشية.
هذا “التململ الشعبي” يمثل الضغط الحقيقي الذي يواجهه ترامب، حيث بات “العصب الاقتصادي” هو الترمومتر الذي يقيس مدى نجاح أو فشل أي تحرك عسكري.
الختام: إيران تدير اللعبة وواشنطن تحصي الخسائر
في المحصلة، يثبت الواقع أن إيران لم تكن مجرد طرف في صراع عسكري، بل كانت المحرك الأساسي لمعادلة استراتيجية أدركت فيها مكامن الضعف الأمريكي.
إن “زلزال واشنطن” الحالي ليس إلا نتيجة طبيعية لسوء تقدير القوة والجهل بترابط الاقتصاد العالمي.
واشنطن اليوم لا تبحث عن “نصر”، بل تبحث عن “مخرج يحفظ ماء الوجه” ويحمي الأسواق من الانهيار الكامل.
ومع استمرار المواجهات بلا أفق، تظل كلفة العدوان تتصاعد، ليس في ميادين القتال فحسب، بل في كل فاتورة طاقة يدفعها المواطن الأمريكي، مما يجعل من استمرار هذه المغامرة مقامرة بمستقبل الاستقرار السياسي في الولايات المتحدة نفسها.