إيران تقلب الطاولة على المشروع الصهيوأمريكي

البيضاء نت | تقرير 

تتبدى ملامح المواجهة الراهنة في المنطقة كمعركة كسر المعادلات وتثبيت المعادلات، تفرض من خلالها الجمهورية الإسلامية في إيران معادلة استنزاف شاملة ومدروسة، تستهدف تقويض ركائز الهيمنة الأمريكية الإسرائيلية وتفكيك طوق الحصار الممنهج المفروض على شعوب المنطقة، وتأتي هذه المواجهة في سياق “الوعد الصادق4” التي باتت تشكل التحدي الوجودي والأكبر للمشروع الصهيوأمريكي، حيث نجحت طهران في تحويل المنطقة إلى ساحة مفتوحة لاستنزاف مقدرات العدو، ومنعه من فرض أجنداته التدميرية تجاه قضايا الأمة العربية والإسلامية، وفي مقدمتها قضية الأمة المركزية والجامعة فلسطين، التي تظل البوصلة والمحرك الأساسي لهذا الصراع الوجودي ضد الهيمنة.

الاستراتيجية الدفاعية الهجومية الأقوى

تعتمد الاستراتيجية الدفاعية الهجومية الإيرانية في إدارتها للمعركة على مسارين متكاملين يهدفان إلى إنهاك العدو؛ إذ يرتكز المسار الأول على تكتيك الإغراق الصاروخي واستخدام الطائرات المسيرة ذات الكلفة المنخفضة والفاعلية العالية، بالتوازي مع تنفيذ ضربات خاطفة ومدمرة توظف أحدث التقنيات العسكرية لخلخلة التوازن الدفاعي الأمريكي الصهيوني. وفي سياق متصل، يأتي المسار الثاني متمثلاً في استخدام الورقة الاقتصادية من خلال تفعيل ورقة  مضيق هرمز، مع التأكيد الإيراني على استهداف الموانئ والمنشآت الحيوية في حال تعرض منشآتها الحيوية للاستهداف الأمريكي الإسرائيلي ، وهو ما يضع الجانب الأمريكي أمام ضغوط اقتصادية وسياسية تتجاوز قدرته على الاحتمال.

علاوة على ذلك، يحاول ثنائي الإجرام، ترامب ونتنياهو، الالتفاف على هذه المعادلة عبر المراهنة على رفع كلفة الصمود داخل إيران من خلال استهداف البنية التحتية المدنية، ومحاولة إحداث نزيف في مقدرات الدولة، على أمل واهم في تحريك الشارع وإثارة الفوضى. وهي المحاولة التي في مقابلها يظهر بوضوح أن هذه الرهانات تصطدم بوعي الشعب الإيراني وأصالته، وهي حقائق يجهلها المخطط الصهيوني والأمريكي الذين يبنون استراتيجياتهم على تصورات متخَيَّلة لا تمت للواقع بصلة.

في المقابل، ومن وجهة نظرهما، يجد العدو الأمريكي الإسرائيلي صعوبة بالغة في التسليم بهذه المعادلة؛ لأن الرضوخ لشروط طهران، التي لم تُفعّل بعدُ كامل أدواتها الردعية، يعني إقراراً صريحاً بالهزيمة الاستراتيجية أمام نهج النفس الطويل والاقتدار على إحداث التغيير المناسب في المعادلات وفي التوقيت المناسب.

محاولات بائسة

تدرجت المخططات الصهيوأمريكية منذ البداية في محاولات بائسة لكسر إرادة الصمود، حيث سعى العدو الأمريكي الإسرائيلي إلى تحقيق نصر حاسم وسريع، بالتوازي مع محاولات يائسة لإثارة اضطرابات في الجبهة الداخلية الإيرانية، وتحريك مجاميع انفصالية في المحافظات الطرفية، وصولاً إلى محاولات توريط دول الجوار في أتون المواجهة، والتلويح بالتدخل البري عبر القوات الخاصة. وفي سياق متصل، أثبتت الوقائع الميدانية فشل كافة هذه الرهانات ، على الرغم من بقائها ضمن أدوات التوظيف العدائي في مراحل زمنية مختلفة، إذ قوبلت هذه التحركات بتحركات إيرانية مدروسة بدقة متناهية أثبتت فاعليتها وتأثيرها على المعتدين.

علاوة على ذلك، اتجهت المحاولات الأخيرة للمشروع الصهيوأمريكي نحو استهداف مرتكزات القوة الاقتصادية عبر التلويح بضرب المنشآت الحيوية في جزيرة “خارك”، التي تمثل الشريان التاجي للصادرات النفطية الإيرانية بنسبة تناهز الـ 90%. وهو التهديد الأجوف الذي قابلته طهران بفرض معادلة أقوى ردعاً وأشد خطورة، حين وضعت كافة المنشآت النفطية التي يستثمر فيها الجانب الأمريكي في منطقة الخليج تحت طائلة الاستهداف المباشر، وهو ما دفع الإدارة الأمريكية إلى المسارعة بإصدار توضيحات تنفي وقوع أضرار في منشآت الجزيرة، في محاولة لتجنب الانزلاق نحو مواجهة شاملة غير مضمونة النتائج.

وبالتوازي مع ذلك، حاول المجرم ترامب تبرير التراجع عن استهداف هذه المنشآت بادعاءات واهية تتعلق بالوقت اللازم لإعادة بنائها، متجاهلاً الحقيقة التي أعلنها بوضوح قائد القوة البحرية في حرس الثورة، الأدميرال علي رضا تنكسيري، الذي أكد أن أي عدوان على جزيرة “خارك” سيفرض على الأمريكيين والعالم معادلة طاقة أشد وطأة وكارثية على مستوى الأسعار وآليات التوزيع العالمية. وبناءً على هذه المعطيات، يتضح أن رهانات ثنائي الإجرام “ترامب ونتنياهو” وحلفائهما باتت محاصرة بين مطرقة الاستنزاف وسندان الردع الإيراني الذي تجاوز مرحلة الدفاع إلى مرحلة فرض قواعد اشتباك جديدة في المعركة.

خيارات أحلاها مرّ

وفي سياق متصل يعكس حجم الإرباك في دوائر صنع القرار المعادي، أكد تقرير صادر عن صحيفة “نيويورك تايمز” الأمريكية أن دونالد ترامب يواجه الآن خيارات أحلاها مرّ بعد مرور أسبوعين على إشعال فتيل المواجهة المباشرة ضد إيران؛ إذ يجد نفسه محاصراً بين الاستمرار في معركة ذات أهداف طموحة مستحيلة التحقق، أو الانسحاب من صراع متصاعد يولد صدمات عسكرية ودبلوماسية واقتصادية مدمرة للمصالح الأمريكية. وبحسب ما أوردته الصحيفة، فإن الإدارة الأمريكية اكتشفت -متأخرة- حجم العواقب الوخيمة التي قلل ترامب وفريقه من شأنها حين زجوا بالولايات المتحدة إلى جانب الكيان الإسرائيلي في أكبر مواجهة تشهدها المنطقة منذ عقود، ليصطدموا بعدو أثبت براعة فائقة في استنزاف واشنطن وحلفائها عسكريا واقتصادياً، مع فشل متنام في مختلف المجالات.

علاوة على ذلك، يشدد تقرير الصحيفة على أن الاستمرار في هذا القتال لا يقتصر خطره على استنزاف الموارد فحسب، بل يعرض المزيد من الأرواح الأمريكية للخطر، ويسرِّع من وتيرة التآكل في التحالفات الدولية، وسط قلق يسود القاعدة السياسية لترامب من نكث تعهداته بتجنب الحروب الجديدة. وفي المقابل، يبدو خيار التراجع معقداً ومثقلاً بالفشل، كون أهداف ثنائي الإجرام ترامب ونتنياهو -وفي مقدمتها محاولة تقويض القدرات النووية والدفاعية لإيران- لم تتحقق ولن تتحقق في ظل الصمود الراهن. وبحسب اعترافات مسؤولين أمريكيين وصهاينة نقلتها الصحيفة، فإن الأسبوع الثاني من المواجهة شهد إقراراً  بأن قدرة إيران على خنق الاقتصاد العالمي عبر مضيق هرمز وتوسيع نطاق المواجهة إقليمياً كانت أكبر بكثير مما توقعه مخططو المشروع الصهيوأمريكي.

وبالتوازي مع ذلك، وبالرغم من تلميحات ترامب الدعائية حول قرب نهاية الحرب، إلا أن الواقع الميداني يشير إلى استمرار حشد الموارد العسكرية في محاولة يائسة لترميم صورة الردع المنكسرة.

معادلات ردع أوسع

وفي سياق متصل، لم تكن الخطوات الدفاعية الهجومية الإيرانية سوى مقدمة لمعادلات ردع أوسع نطاقاً، تجلت في نبرة التحدي السيادي؛ إذ جاء رد أمين مجلس الأمن القومي، علي لاريجاني، على تهديدات ترامب بقطع الكهرباء حازماً، مؤكداً أن المساس بأمن الطاقة الإيراني سيعني غرق المنطقة بأكملها في الظلام خلال ساعة، ما يحول الوجود العسكري الأمريكي إلى أهدافٍ مطارَدة وسهلة الاصطياد. وبالتوازي مع ذلك، حذر مقر خاتم الأنبياء ورئيس مجلس الشورى، محمد باقر قاليباف، من أن أي استهداف للبنية التحتية النفطية سيقابله محو شامل للمصالح المرتبطة بالولايات المتحدة في المنطقة دون تردد.

علاوة على ذلك، أحدثت هذه المواجهة شرخاً في معسكر العدو، حيث كشفت “نيويورك تايمز” عن تحذيرات وجهها ترامب والأدميرال كوبر لسلطات الاحتلال من مغبة التمادي في استهداف المنشآت النفطية الكبرى، خشية الرد الإيراني المزلزل. وبالتوازي، بدأت مفاعيل الهجمات الإيرانية تنهك الاقتصاد الأمريكي، حيث أدت عرقلة الملاحة في مضيق هرمز إلى هزات في الأسواق العالمية، ودفعت دولاً خليجية -بحسب ما أوردته “رويترز” و”بلومبرغ”- إلى إعادة تقييم تحالفاتها الدفاعية واستثماراتها لتغطية خسائر الحرب”.

وعلى الصعيد الدولي، أدت هذه المواجهة إلى انقلاب السحر على الساحر؛ فبينما كانت واشنطن تحاصر روسيا، أكد وزير الخارجية الإيراني، عباس عراقجي، أن البيت الأبيض بات يتوسل للعالم لشراء النفط الروسي لتأمين الأسواق، وهو ما استثمره الرئيس الروسي فلاديمير بوتين بذكاء عبر التلويح بقطع الغاز عن أوروبا.

وفي خضم هذا الانشغال الأمريكي بحماية الكيان الإسرائيلي، برزت تساؤلات وجودية في البنتاغون حول القدرة على مواجهة طموحات الصين في تايوان، خاصة مع استنزاف مخزونات الدفاع الجوي لحماية عمق الكيان.

وفي سياق ترسيخ استراتيجية المواجهة، جاءت تصريحات قائد الثورة الإسلامية في إيران، السيد مجتبى الخامنئي، لتؤكد الجاهزية لفتح جبهات جديدة يفتقر العدو فيها للخبرة، ما يترك الباب موارباً أمام صفقة بشروط طهران أو الانهيار الكامل للتحالف الأمريكي الإسرائيلي.

الخلاصة:

تستشرف مآلات الصراع الراهن مرحلة تاريخية فارقة، حيث يتجه المشروع الصهيوأمريكي نحو انكسار استراتيجي غير مسبوق أمام صلابة الردع الإيراني. إن فشل سياسات “الدمار الشامل” في ثني إرادة الشعب الإيراني، وعجز العدو الأمريكي الإسرائيلي عن تحقيق أي إنجاز ميداني ، يؤكد أن توازن القوى في المنطقة قد أعيدت صياغته كليَّا لصالح قضايا الأمة والقضية الفلسطينية كمركزية جامعة. وبالتوازي مع ذلك، فإن ملامح النظام الدولي الجديد بدأت تتشكل من رحم هذه المواجهة ، حيث تفرض “دبلوماسية الصواريخ” وقوة الميدان شروطها، مؤذنة بنهاية حقبة الهيمنة الأحادية، والرحيل الحتمي للقوات الأمريكية الإسرائيلية من المنطقة، ليبقى الميدان وحده الحكم الفصل في صياغة مستقبل الشعوب الحرة.

نقلاً عن موقع أنصار الله