حرب الاستنزاف الأمريكية في إيران: الشعب الأمريكي يدفع الثمن وشركات السلاح تجني الأرباح وأمريكا تأكل نفسها
البيضاء نت | تقرير يحيى الشامي
عندما انطلق العدوان الأمريكي الإسرائيلي على إيران في الثامن والعشرين من شباط الماضي، كان العالم أمام مشهد سرعان ما انكشفت تفاصيله لتكشف عن ملامح مغايرة تماماً لما روّجت له واشنطن في الأيام الأولى؛ أهداف متقلبة، وجدول زمني متغير، وتناقضات في الخطاب الرسمي، وأرقام خيالية تلتهم الخزانة الأمريكية بمعدل يزيد على مليار وثمانمئة مليون دولار يومياً، لكن الأكثر إثارة للانتباه ذلك التناقض الصارخ بين من يدفع الثمن ومن يجني الأرباح: فبينما يتكبد دافعو الضرائب في أمريكا ويلات هذه المغامرة العسكرية غير المحسوبة، تقف شركات الأسلحة العملاقة في موقع المستفيد الأكبر، تزداد قيمتها السوقية بمليارات الدولارات في يوم واحد، وتوقع عقوداً جديدة مع البنتاغون تفوق ميزانيات دول بأكملها!.
تناقضات واشنطن.. حرب بلا أهداف واضحة
في الثالث والعشرين من شباط، أي قبل خمسة أيام فقط من انطلاق العدوان، كان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب يردد في خطاباته أن بلاده “لا تسعى إلى الحرب مع إيران”، غير أن الضغوط الإسرائيلية المكثفة قلبَت المعادلة، لتنطلق العمليات العسكرية المشتركة التي بدأت باغتيال المرشد والقائد الكبير السيد المجاهد علي خامنئي وعدد من القادة العسكريين، في مشهد أعاد إلى الأذهان أساليب الاغتيال التي طالت قادة المقاومة في المنطقة لعقود.
ما حدث بعد ذلك كان أكثر دلالة على ارتباك الإدارة الأمريكية، ففي اليوم نفسه لانطلاق العدوان، خرج ترامب بمقطع فيديو دعا فيه الشعب الإيراني إلى “تولي زمام الحكم”، معتبراً أن هذه “ربما تكون فرصتكم الوحيدة لأجيال قادمة” ثم بعد أيام قليلة، وتحديداً في السادس من آذار، كتب على منصته: “لن يكون هناك أي اتفاق مع إيران سوى الاستسلام غير المشروط”، وهو ما اعتبره مراقبون تغيراً جذرياً في السقف المعلن للأهداف.
لكن المفاجأة الأكبر جاءت بعد أسبوع، حين تراجع ترامب عن دعوته للإيرانيين للإطاحة بحكومتهم، معترفاً بأن هذه الدعوة تمثل “عقبة كبيرة أمام الناس الذين لا يملكون أسلحة”، هذا التقلب الحاد في الخطاب، من الدعوة إلى تغيير النظام إلى الاعتراف بعدم جدواها، لم يكن سوى أحد مظاهر الارتباك الذي طال أيضاً الجدول الزمني للحرب.
فبينما كان وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو يعلن في الثاني من آذار أن واشنطن “انضمت إلى العملية الإسرائيلية لأنها كانت تعلم أن عدم القيام بذلك سيعني خسائر أكبر”، خرج ترامب بعد يوم واحد ليقول إنه أمر القوات الأمريكية بالانضمام إلى الهجوم لأنه اعتقد أن إيران كانت على وشك أن تضرب أولاً؛ روايتان متضاربتان صدرتا عن أعلى مستويات القرار في واشنطن، تؤكدان أن الدافع الحقيقي للحرب لم يكن دفاعاً عن المصالح الأمريكية، وإنما الانجرار خلف الأجندة الإسرائيلية.
أما الجدول الزمني فقد كان أكثر مرونة من أن يوصف، بدأ ترامب بالقول إن الحرب ستستغرق “أربعة أسابيع أو أقل”، ثم مددها إلى أربعة أو خمسة أسابيع، وبعدها أعلن وزير حربه بيت هيغسيث أن واشنطن “لا تحدد إطاراً زمنياً للحرب”. وفي العشرين من آذار، كتب ترامب أن بلاده “تقترب جداً من تحقيق أهدافها وتفكر في إنهاء جهودها العسكرية العظيمة”، لكنه في الوقت نفسه قال للصحفيين إنه “لا يريد وقفاً لإطلاق النار”، تناقضات من هذا النوع لم تكن لتظهر لو كانت واشنطن تخوض حرباً مبنية على رؤية استراتيجية واضحة، لكنها في حربها على إيران تبدو كمن يقود سيارة بلا مقود، تتأرجح بين ضغوط حليفه الإسرائيلي وواقع ميداني أثبت أن المقاومة الإيرانية قادرة على الصمود.
استنزاف غير مسبوق للخزانة الأمريكية
بعيداً عن التصريحات المتضاربة، تظل الأرقام هي الأكثر صدقاً في الكشف عن حقيقة هذه الحرب، فبحسب بيانات أولية صادرة عن البنتاغون، تنفق واشنطن ما يقارب ملياراً وثمانمئة مليون دولار يومياً على العمليات العسكرية ضد إيران، وهو رقم فلكيلا يشمل تكلفة الحشد العسكري الذي سبق الحرب، والذي بلغ بحسب تقديرات مسؤولة سابقة في البنتاغون نقلتها صحيفة وول ستريت جورنال نحو 630 مليون دولار، شملت نشر أكثر من اثنتي عشرة سفينة حربية وتسيير أكثر من مئة طائرة إلى المنطقة.
وفي تقرير حديث في “واشنطن بوست” فقد طلب البنتاغون من البيت الأبيض الموافقة على ميزانية أمنية إضافية بقيمة 200 مليار دولار، في هذه المرحلة، هذا المبلغ أكبر بكثير من نفقات الحرب في إيران، لكنه يهدف إلى زيادة وتيرة الإنتاج الأمني، وفق تحليل الصحيفة كما أن هذا الطلب سيواجه صعوبة في الحصول على موافقة الكونغرس.
لكن الأكثر إيلاماً للخزانة الأمريكية ذلك الخلل الاقتصادي الذي تفرضه طبيعة المواجهة. فالقوات الأمريكية مضطرة إلى استخدام صواريخ “إس إم-6” التي تبلغ تكلفة الواحد منها 4.3 ملايين دولار، لاعتراض طائرات مسيرة إيرانية لا تتجاوز قيمتها بضعة آلاف من الدولارات. هذا “عدم التماثل” في التكلفة، كما يصفه المحللون العسكريون، يجعل من المستحيل تحقيق نصر اقتصادي في هذه الحرب، حتى لو تحقق نصر عسكري.
وبما أن الحرب لم تضع بعد جدولاً زمنياً محدداً، فإن التقديرات المستقبلية تبدو مرعبة. فإذا استمرت العمليات لمدة شهر، وهو أقل تقدير قدمته الإدارة الأمريكية، فإن التكلفة الإجمالية ستتجاوز 54 مليار دولار، مضافاً إليها تكاليف إعادة ملء المخزونات التي استنزفت بشكل كبير في العمليات السابقة. فمنذ الغزو الروسي لأوكرانيا عام 2022، استهلكت الولايات المتحدة مخزونات أسلحة بمليارات الدولارات، بما في ذلك أنظمة مدفعية وذخيرة وصواريخ مضادة للدبابات. والحرب على إيران تضيف إلى هذه القائمة صواريخ بعيدة المدى أكثر تكلفة وتعقيداً.
وتخطط إدارة ترامب لطلب ميزانية تكميلية بقيمة 50 مليار دولار لتغطية تكاليف استبدال الأسلحة المستخدمة في الصراعات الأخيرة، هذه الأموال، مثل غيرها من مليارات الدولارات التي أنفقت على الحروب السابقة، ستخرج من جيوب دافعي الضرائب الأمريكيين لتذهب في اتجاه واحد: جيوب شركات الأسلحة العملاقة.
المستفيد الأكبر.. كيف تربح الشركات من الحروب؟
في الوقت الذي بدأت فيه التداعيات الاقتصادية للحرب تظهر آثارها على الاقتصاد العالمي، حيث ارتفعت أسعار النفط وانخفض سوق الأسهم بشكل عام، برز قطاع واحد كان المستفيد الأكبر من هذا الصراع المدمر: شركات المقاولات الدفاعية التابعة للبنتاغون. فمع افتتاح التداول في الأسواق العالمية بعد اندلاع الحرب، ارتفعت أسهم موردي الأسلحة بشكل عام بنسبة 1.5%، لكن أكبر الشركات شهدت قفزات أكبر بكثير.
ففي يوم واحد فقط، ارتفعت القيمة السوقية لشركة “آر تي إكس” بنحو 17 مليار دولار، بينما ارتفعت قيمة “نورثروب غرومان” بنحو 5.8 مليارات دولار، و”لوكهيد مارتن” بنحو 5.5 مليارات دولار. وسهم لوكهيد مارتن، أكبر متعاقد مع البنتاغون، ارتفع منذ بداية العام الجاري وحده بنسبة 40% مع تصاعد التوترات مع إيران.
هذه الشركات، التي تعرف بـ”الخمسة الكبار”، تهيمن على عقود وزارة الحرب الأمريكية، فشركة لوكهيد مارتن، التي تمد البنتاغون بمقاتلات الشبح “إف-35” وأنظمة “ثاد” الاعتراضية، وقّعت في كانون الثاني الماضي اتفاقية لزيادة إنتاج صواريخ ثاد أربعة أضعاف، من 96 إلى 400 صاروخ سنوياً. وشركة آر تي إكس، الرائدة في أنظمة الدفاع الجوي، قدمت صواريخ “ستاندرد” التي استخدمتها البحرية الأمريكية بكثافة غير مسبوقة في البحر الأحمر، وحازت في آب 2025 على عقد بقيمة 3.5 مليار دولار لإنتاج صواريخ “أمرام” الجوية.
لكن الأرقام الأكثر إثارة تأتي من تقرير شامل صادر عن معهد كوينسي المستند إلى بيانات البنتاغون الرسمية للفترة من 2020 إلى 2024، حيث تلقى القطاع الخاص عقوداً إجمالية بقيمة 2.4 تريليون دولار، وهو ما يمثل نحو 54% من إجمالي الإنفاق التقديري للبنتاغون خلال تلك السنوات، واستحوذت الشركات الخمس الكبرى وحدها على 771 مليار دولار من هذه العقود، موزعة على النحو التالي: لوكهيد مارتن 313 ملياراً، آر تي إكس 145 ملياراً، جنرال داينامكس 116 ملياراً، بوينغ 115 ملياراً، ونورثروب غرومان 81 مليار دولار.
ولم تتوقف الأرباح عند العقود المباشرة مع البنتاغون، بل امتدت إلى المساعدات العسكرية التي تقدمها واشنطن لحلفائها، فقد تجاوزت المساعدات العسكرية الأمريكية لكيان العدو الصهيوني 18 مليار دولار في السنة الأولى التي تلت حرب غزة وحدها، بينما بلغ إجمالي المساعدات لأوكرانيا 65 مليار دولار منذ الغزو الروسي حتى عام 2025، كل هذه الأموال ذهبت إلى جيوب شركات السلاح نفسها، التي وجدت في الحروب المتتالية فرصة ذهبية لتعزيز أرباحها.
تسريع الإنتاج لتعويض نقص الذخائر
في مشهد يعكس الأولويات الحقيقية للإدارة الأمريكية، تعقد إدارة ترامب اجتماعاً في البيت الأبيض مع كبار المسؤولين التنفيذيين في شركات الأسلحة الكبرى، ليس لبحث سبل إنهاء الحرب، وإنما لمناقشة تسريع إنتاج الأسلحة، فحسب مصادر مطلعة تحدثت لوكالة “رويترز”، فإن شركات مثل لوكهيد مارتن وآر تي إكس تلقت دعوات لحضور هذا الاجتماع، الذي يركز على حث صانعي الأسلحة على التحرك بشكل أسرع لزيادة الإنتاج.
هذا الاجتماع يأتي في وقت يقود فيه نائب وزير الحرب ستيف فاينبرغ جهوداً لإقرار ميزانية تكميلية بقيمة 50 مليار دولار، ستغطي تكاليف استبدال الأسلحة المستخدمة في الحرب، وفي خطوة تعكس الإصرار على استمرار تدفق الأرباح، من المتوقع أن يصدر البنتاغون قائمة بالمقاولين أصحاب الأداء الضعيف، مع منحهم مهلة 15 يوماً لتقديم خطط لتصحيح الوضع، وإلا فإن العقود قد تواجه الإلغاء.
هذا الزخم في تسريع الإنتاج العسكري، بالتزامن مع استمرار الحرب وعدم وضوح مخرج لها، يطرح سؤالاً مهماً: من المستفيد الحقيقي من استمرار هذه الحرب؟ الإجابة تبدو واضحة أمام مشهدية الأرقام ففي الوقت الذي تزداد فيه أرباح الشركات بمليارات الدولارات، يتحمل المواطن الأمريكي الأعباء الثلاثة: الضرائب التي تمول العقود العسكرية، وارتفاع أسعار النفط الذي تضربه التوترات في منطقة الخليج، وانخفاض قيمة مدخراته في سوق الأسهم الذي لا يستثنى من التراجع سوى أسهم شركات الدفاع.
هرمز.. الورقة الإيرانية التي تعيد تشكيل المعادلة
في مواجهة هذا العدوان، لم تقف إيران مكتوفة الأيدي، فقد كانت الورقة الأهم التي استخدمتها طهران هي الإغلاق الفعلي لمضيق هرمز، ذلك الممر المائي الحيوي الذي تمر عبره نحو 20% من إمدادات النفط العالمية، هذا الإجراء، الذي اتخذ رداً على الضربات الأمريكية الإسرائيلية، حول المعادلة الاقتصادية للحرب بشكل جذري، وأضاف بُعداً جديداً لتعقيدات المشهد لمصلحة إيران.
يرى مراقبون، من بينهم جيسون كامبل الباحث في معهد الشرق الأوسط والموظف السابق في قسم السياسات بالبنتاغون، أن إغلاق مضيق هرمز ربما يمثل العائق الأكبر أمام أي مخرج لأمريكا، ويشير كامبل إلى أن أي خروج أمريكي من الحرب يترك “إيران كحارس فعلي لمضيق هرمز” سيمثل “فشلاً استراتيجياً هائلاً للولايات المتحدة”، هذا التقييم، الذي صدر عن مسؤول أمريكي سابق، يؤكد أن الميزان الاستراتيجي في المنطقة لم يعد كما كان، وأن الحرب التي انطلقت بهدف “تدمير القدرات الإيرانية” أعادت تشكيل المعادلة لصالح طهران في واحدة من أهم النقاط الحيوية في العالم، وهي النتيجة التي يجن جنون ترمب منها.
وفي محاولة لمواجهة هذه الورقة الإيرانية، لجأت واشنطن مجدداً إلى لغة القنابل، فدفعت بقنابل “GBU-72/B” الخارقة للتحصينات، التي يبلغ وزن كل منها 2270 كيلوغراماً، في محاولة يائسة لاستهداف مواقع الصواريخ الإيرانية المحصنة على طول مضيق هرمز؛ غير أن تجربة العقود الماضية أثبتت أن مثل هذا الأسلوب لا يجدي نفعاً أمام إرادة أعدت لهذا اليوم حساباته. فالقنابل، مهما بلغ وزنها، لا تستطيع أن تفتح ممراً في مضيق يتحكم فيه من يمتلك الأرض والبحر والإرادة معاً، ولعل واشنطن بدأت تدرك، ربما متأخرة، أن مضيق هرمز لن يفتح بقنابل خارقة للتحصينات، وإنما بقرار إيراني لن يُمنح مجانا، سيما مع لجوء بعض الدول للتعامل مع ايران لتأمين مرور سفنها كما فعلت الهند واليابان
حرب يدفع ثمنها الشعب الأمريكي وتربح منها شركات السلاح