رمال متحركة فوق القمم: “فخ الاستنزاف” يبتلع أوهام العزل في جنوب لبنان

البيضاء نت | تقرير خاص 

خلف الضجيج الكثيف للغارات الجوية وسحب الغبار التي تغطي بلدات الحافة الأمامية، تدور في تضاريس جنوب لبنان الوعرة واحدة من أعقد المعارك العسكرية في العصر الحديث. فبينما تسعى إسرائيل لفرض “منطقة عازلة” تعيد مستوطني الشمال، يجد جيشها نفسه عالقاً في معضلة كلاسيكية: التفوق التكنولوجي مقابل جغرافيا ترفض الانصياع، وتكتيكات دفاعية تحول “التوغل” إلى “استنزاف” دائم.

أولاً: خارطة المحاور.. القضم المتعثر

تتحرك القوات الإسرائيلية ضمن خطة تهدف إلى عزل القرى الحدودية عن عمقها اللوجستي، لكن القراءة الميدانية تشير إلى عقبات جوهرية في ثلاث جبهات رئيسية:

  1. القطاع الغربي (الناقورة – علما الشعب): محاولات مستمرة للسيطرة على التلال الحاكمة لتأمين خط الساحل، إلا أن “الكمائن الميتة” والعبوات الناسفة الموجهة جعلت من التقدم البري هناك عملية مكلفة وبطيئة.

  2. القطاع الأوسط (بنت جبيل – مارون الراس): يمثل هذا المحور “عقدة الرمزية والجغرافيا”. هنا، تصطدم القوات الإسرائيلية بنظام دفاعي يعتمد على الأنفاق القصيرة (Tactical Tunnels) التي تسمح للمدافعين بالاختفاء والظهور خلف خطوط التقدم.

  3. القطاع الشرقي (الخيام – كفركلا): محاولة للالتفاف نحو سهل الدردارة، لكن التضاريس المكشوفة جعلت الآليات الإسرائيلية صيداً سهلاً للصواريخ الموجهة المضادة للدروع من الجيل الثالث.

ثانياً: وهم “العزل” وحقيقة الميدان

تعتمد الاستراتيجية الإسرائيلية على فرض “حزام ناري” لعزل المقاتلين، لكن المعطيات العسكرية تؤكد فشل هذا المفهوم لعدة أسباب:

  • اللامركزية القتالية: تعمل المجموعات الدفاعية في الجنوب بنظام “العقد المستقلة”، حيث لا يحتاج المقاتلون إلى أوامر مركزية أو خطوط إمداد مكشوفة للصمود لأسابيع.

  • السيادة الصاروخية: رغم التوغل، ما زالت الرشقات الصاروخية تنطلق من نقاط خلف “خطوط المواجهة الأولى”، مما ينسف الهدف الاستراتيجي من العزل وهو حماية العمق الإسرائيلي.

ثالثاً: فخ الاستنزاف.. الأرقام تتحدث

عسكرياً، الانتقال من “حرب الخاطفة” إلى “حرب المواقع” يصب في مصلحة المدافع دائماً. وتواجه القيادة الإسرائيلية حالياً ما يسمى بـ “تآكل الإنجاز”:

“إن السيطرة على تلة أو قرية مدمرة لا يعني تأمينها؛ فتكلفة البقاء في نقاط ثابتة داخل الجنوب اللبناني تجعل الجنود والآليات أهدافاً دائمة لسلاح القنص والمسيرات الانقضاضية.”

 

التحدي العسكري

التوصيف الميداني

الجغرافيا

تضاريس جبلية قاسية تمنع المناورة السريعة للمدرعات.

الاستخبارات

“العمى الميداني” النسبي تجاه الأنفاق والكمائن غير المرئية.

الاستنزاف

استنزاف مخزون الدفاع الجوي (القبة الحديدية) أمام كثافة النيران.

  

خاتمة

إن المشهد في جنوب لبنان يتجاوز كونه مجرد مواجهة حدودية؛ إنه صراع بين إرادة “فرض واقع جغرافي جديد” وبين واقع ميداني يؤكد أن الدخول إلى القرى اللبنانية سهل، لكن البقاء فيها هو “الفخ” الأكبر. وبناءً عليه، يظل السؤال قائماً: هل تدرك تل أبيب أن “المنطقة العازلة” قد تتحول إلى “ثقب أسود” يلتلع نخبها العسكرية قبل أن يتحقق الوهم بالأمان؟