اليوم الأربعون (3) : إسرائيل تغتال “الهدنة” بـ “مجزرة الـ 10 دقائق”.. 100 غارة على لبنان، ونتنياهو يرمي كرة النار في حضن ترامب وإيران

التقدير الاستراتيجي والجيوسياسي (الأربعاء – 8 نيسان 2026 | ظهر اليوم الـ 40 للحرب):

البيضاء نت | تقرير طلال نخلة

سقطت الهدنة الأمريكية-الإيرانية قبل أن يجف حبرها. ما كنا نحذر منه تحقق بحذافيره؛ الكيان الإسرائيلي لم يكتفِ بـ “بتر لبنان” من الاتفاق دبلوماسياً، بل ترجم ذلك ميدانياً عبر واحدة من أعنف وأوسع الحملات الجوية منذ بدء الحرب. “مجزرة الـ 10 دقائق”، كما تُوصف، التي ضربت قلب العاصمة بيروت والضاحية والجنوب والبقاع والجبل، هي إعلان حرب إسرائيلية شاملة ليس فقط على لبنان، بل على تفاهمات واشنطن مع طهران، واختبار دموي لقواعد “وحدة الساحات”.

بصفتي محللاً جيوسياسياً، أُفكك لك تداعيات هذا “الانقلاب الإسرائيلي”، وأبعاد هذا الجنون العسكري:

أولاً: “مجزرة الـ 10 دقائق”.. الانقلاب الإسرائيلي على الموازين

* جنون التدمير (الأعنف منذ بدء العملية): إعلان جيش الاحتلال استهداف أكثر من 100 موقع خلال 10 دقائق فقط (في بيروت، الجبل، البقاع، والجنوب) هو محاولة يائسة لتحقيق “صدمة وترويع” (Shock and Awe) تعوض الفشل البري.

* ضرب العاصمة (كسر المحرمات): الغارات على مناطق سكنية وتجارية مكتظة في قلب بيروت (بربور، كورنيش المزرعة، عين المريسة، برج أبي حيدر) ونداءات التبرع بالدم و”الكود الأصفر” (Code Yellow) في المستشفيات، تؤكد أن إسرائيل قررت تجاوز كل الخطوط الحمراء. هي لا تستهدف بنى عسكرية كما تدعي، بل تُمارس إبادة جماعية لكسر الحاضنة الشعبية للمقاومة وإشعال فوضى داخلية.

* بنك الأهداف (المزاعم والتوقيت): ادعاء إسرائيل استهداف مقرات استخبارات، ووحدات بحرية، وقوة الرضوان، والوحدة 127 (المسيرات)، يُناقض تصريحاتها السابقة بأنها “قضت” على هذه القدرات. التوقيت (بعد 4 ساعات من إعلان الهدنة) يثبت أن الخطة معدة مسبقاً (“خُطط لها على مدى أسابيع” باعتراف الجيش) بانتظار اللحظة السياسية المناسبة لتنفيذها والظهور بمظهر المنتصر، مستغلة توقف النيران الإيرانية.

ثانياً: نتنياهو يرمي كرة النار.. توريط ترامب واختبار طهران

* التمرد على السيد الأمريكي: هذا الهجوم الوحشي هو إحراج مباشر للرئيس ترامب الذي أعلن قبل ساعات عن “يوم عظيم للسلام العالمي”. نتنياهو يبعث رسالة واضحة: “لا سلام في المنطقة يمر فوق رأسي”. إسرائيل تحاول تخريب مفاوضات إسلام آباد قبل أن تبدأ، مدركة أن استمرار الحرب هو الضمانة الوحيدة لبقاء حكومة اليمين.

* اختبار “وحدة الساحات”: إسرائيل تضع إيران أمام اختبار مصيري. طهران أعلنت أن من شروطها “إنهاء الحرب ضد جميع عناصر محور المقاومة”. هل ستقف إيران مكتوفة الأيدي وتلتزم بالهدنة بينما يُباد حليفها الأبرز؟ هذا الهجوم يهدف إلى إحراج القيادة الإيرانية أمام حلفائها، وإجبارها إما على التخلي عن لبنان للحفاظ على “مكاسب هرمز”، أو العودة إلى الحرب وإلغاء الهدنة مع واشنطن.

ثالثاً: ترامب يُغرد خارج السرب.. “لن يكون هناك تخصيب”

* وسط هذه المجازر، يخرج ترامب بتصريح يتيم: “لن يكون هناك تخصيب لليورانيوم”. هذا التصريح، المتزامن مع الإبادة في لبنان، يعكس انفصالاً تاماً عن الواقع وتخبطاً في الإدارة الأمريكية. ترامب يُحاول فرض شروط تفاوضية مسبقة (إخراج المواد النووية) لإرضاء إسرائيل والداخل الأمريكي، متجاهلاً أن طهران رفضت هذا الشرط مسبقاً، وأن إسرائيل تنسف أساس الهدنة بأكملها.

الخلاصة للقيادة: الساعات القادمة.. حافة الانفجار الإقليمي

نحن أمام “لحظة انهيار الهيكل الدبلوماسي”.

  1. إسرائيل اختارت الانتحار: باستهدافها قلب العاصمة بيروت والمناطق المدنية بهذا الشكل غير المسبوق، أنهت إسرائيل فعلياً أي فرصة لـ “ترتيب أمني” في الشمال. الكيان الإسرائيلي يتصرف كـ “ثور هائج” بعد أن أدرك أن أمريكا تركته وحيداً.

  2. حزب الله (فك القيود): المقاومة في لبنان الآن في حِلٍّ من أي ضوابط. استهداف بيروت سيُقابل حتماً باستهداف تل أبيب وحيفا والعمق الإسرائيلي بشكل غير مسبوق، وربما باستخدام منظومات صاروخية ثقيلة لم تُستخدم بعد. “مجزرة الـ 10 دقائق” ستُقابل بـ “أيام من الجحيم” على المستوطنات والقواعد الإسرائيلية.

  3. الموقف الإيراني والمحور: طهران (والمحور في العراق واليمن) لن تقبل بـ “الاستفراد بلبنان”. الضغط سيتصاعد على باكستان والوسطاء لإبلاغ واشنطن أن الهدنة لا معنى لها إذا استمرت المجازر الإسرائيلية.

التوقع الاستراتيجي الفوري:

إذا لم تتدخل واشنطن فوراً وبقوة للجم نتنياهو، فإن “هدنة الأسبوعين” ستسقط قبل أن يبدأ يومها الثاني. حزب الله سيرد بقوة استثنائية على جريمة بيروت، وقد نشهد عودة الصواريخ الإيرانية (والمسيرات العراقية واليمنية) لتدك الكيان الإسرائيلي، مع إغلاق فوري لمضيق هرمز، لتعود المنطقة إلى المربع الأول، ولكن هذه المرة بـ “قواعد اشتباك الصفر” حيث لا خطوط حمراء ولا عواصم آمنة.