جنوب لبنان تحت لهيب الغدر .. العدوان الإسرائيلي يفضح نهج نقض العهود ويكشف عار المتواطئين

البيضاء نت | تقرير طارق الحمامي 

مرةً أخرى، يكتب جنوب لبنان بدماء أبنائه حقيقةً لم تعد تحتاج إلى برهان أن العدوان الإسرائيلي لا يعرف عهداً، ولا يحترم اتفاقاً، ولا يرى في المدنيين إلا أهدافاً رخوة يفرغ فيها وحشيته وعجزه عن تحقيق مكاسب سياسية أو عسكرية حقيقية، فما يجري اليوم في القرى الجنوبية ليس مجرد تصعيد عسكري عابر، بل هو امتداد لنهج ثابت يقوم على نقض التفاهمات واستباحة الأرض والإنسان، في مشهد يعيد إلى الأذهان تاريخاً طويلاً من الحروب التي كان ضحيتها الأولى والأخيرة المدنيون العزل، لقد أثبتت الساعات الماضية أن كل حديث عن تهدئة أو اتفاق يظل حبراً على ورق ما دام القصف مستمراً، وما دامت البيوت تسقط فوق رؤوس ساكنيها، وما دام الأطفال والنساء والشيوخ يدفعون الثمن من أرواحهم وأمنهم ومستقبلهم، وهو اليوم بعد هزيمة مذلة أمام ضربات المقاومة يعمد إلى توجيه موجة جديدة من الضربات الغادرة على مناطق مأهولة في الجنوب اللبناني، أسفرت عن ضحايا مدنيين جلهم من النساء والأطفال.

نهج إجرامي لا يعرف الالتزام

إن أخطر ما تكشفه هذه الهجمات ليس فقط حجم الدمار، بل الرسالة السياسية الكامنة خلفها، أن العدو الإسرائيلي ما يزال يتعامل مع الاتفاقات كوسائل تكتيكية مؤقتة، يستخدمها حين تخدم مصالحه، ثم يتجاوزها عندما يرى في التصعيد فرصة لفرض أمر واقع جديد، هذا السلوك لا يعكس فقط استخفافاً بالمساعي الدولية، بل يكشف ذهنية ترى في القوة العسكرية الوسيلة الوحيدة لإدارة الصراع، ولو كان الثمن مزيداً من الخراب الإنساني واتساع دائرة الحرب، فالعدوان الوحشي المستمر على جنوب لبنان يفضح مرة أخرى حقيقة أن المنطقة لا تزال رهينة منطق الغلبة بالنار، وأن لغة القوة ما زالت تتغلب على لغة الالتزام السياسي.

المدنيون .. الهدف الأسهل والأكثر إيلاماً

إن استهداف المناطق السكنية، والقرى الحدودية، وطرق الإغاثة، يضع المدنيين في قلب المأساة، النساء اللواتي فقدن أبناءهن، والأطفال الذين انتُزعوا من دفء بيوتهم إلى رعب النزوح، والشيوخ الذين أُجبروا على النزوح من قراهم، جميعهم أصبحوا العنوان الأبرز لهذا العدوان، ولعل أكثر ما يرسخ مأساوية المشهد أن القصف يتكرر رغم الإدانات الدولية، ما يعكس محدودية قدرة المجتمع الدولي على حماية المدنيين وفرض احترام قواعد القانون الإنساني.

أبعاد إقليمية تتجاوز حدود الجنوب

ما يحدث في جنوب لبنان لا يمكن عزله عن المشهد الإقليمي الأوسع، فالجبهة اللبنانية اليوم تمثل جزءاً من صراع إقليمي مركب، تتداخل فيه حسابات الردع، والنفوذ، ورسائل الضغط المتبادلة بين القوى الكبرى والإقليمية، ومن هنا، فإن استمرار القصف يحمل دلالات تتجاوز حدود الجنوب، ليصبح رسالة سياسية إلى مختلف ساحات التوتر في المنطقة، من العراق إلى البحر الأحمر.

موقف الخليج المتصهين .. قراءة في الاصطفاف

وفي موازاة هذا المشهد، تبرز مواقف بعض العواصم الخليجية التي تبنت خطاباً داعماً لاستمرار الضغوط على إيران وحلفائها، ومن المهم تناول هذه المواقف بوصفها جزءاً من حسابات أمنية واستراتيجية مرتبطة بتوازنات المنطقة، وليس من خلال التعميم على شعوب أو مجتمعات كاملة، لكن تبقى الدلالة الأهم أن هذا الاصطفاف أسهم في تعقيد المشهد الإقليمي، وأضعف فرص الوصول إلى تهدئة شاملة، في وقت كانت فيه المنطقة أحوج ما تكون إلى احتواء التصعيد لا توسيعه.

ختاما ..

إن جنوب لبنان اليوم لا يواجه مجرد قصف، بل يواجه سياسة قائمة على فرض الوقائع بالقوة.
وكل بيت يُهدم، وكل طفل يُقتل، وكل أسرة تُهجَّر، يمثل شاهداً جديداً على أن العدوان ما يزال يمضي في نهجه، وأن المنطقة أمام اختبار حقيقي لإرادة السلام والعدالة.