خذوا ما آتيناكم بقوة.. الشهيد القائد يرسم طريق الأمة من الهداية إلى النهوض
البيضاء نت | تقرير طارق الحمامي
في لحظةٍ فارقة من مسار الوعي القرآني الذي أعاد الشهيد القائد حسين بدر الدين الحوثي رضوان الله عليه بناءه في وجدان الأمة، تتجلى الآية الكريمة {خُذُوا مَا آتَيْنَاكُم بِقُوَّةٍ} بوصفها عنوانًا لمشروع نهوض متكامل، لا يقتصر على التفسير اللفظي للنص القرآني، بل يتجاوز ذلك إلى صياغة رؤية فكرية وحضارية تحدد أسباب السقوط ومفاتيح النهوض، ومن هدي القرآن الكريم، يقدم الشهيد القائد قراءة عميقة تربط بين انحراف الأمم وبين حالة التراخي في الالتزام بهدي الله، معتبرًا أن أصل المأساة التاريخية التي لحقت ببني إسرائيل لم يكن نقصًا في النعمة، بل عدم أخذ الكتاب بقوة، والضعف في التمسك به، والتحرك على أساسه.
القرآن كمنهج حركة لا مجرد تلاوة
تنبع قوة هذه الرؤية من إعادة تعريف العلاقة مع القرآن، فالشهيد القائد لا يطرح القرآن باعتباره نصًا تعبديًا محصورًا في التلاوة والوعظ، بل يقدمه كـ منهج حياة ومشروع حركة وصناعة موقف، فالقوة هنا ليست مجرد شدة لفظية، بل تعني قوة التمسك وقوة الالتزام وقوة الثبات وقوة التحرك وفق المنهج الإلهي، وقوة الوعي في مواجهة التحديات، ومن هنا، تتحول الآية إلى قاعدة نهضوية مفادها أن الأمة التي لا تتحرك على أساس القرآن، مهما امتلكت من إمكانات، تظل عرضة للانكسار والضياع، وقد أكد الشهيد القائد في المشروع القرآني أن القرآن يصنع أمة على درجة عالية من الوعي والفهم بطبيعة الأخطار والتحديات.
تشخيص دقيق لسبب السقوط الحضاري
يضع النص يدَه على جذر الأزمة الحضارية، الانفصال بين النعمة وبين الشكر، وبين الهداية وبين الالتزام، فالشهيد القائد يربط بين عدم الأخذ بالكتاب بقوة وبين ما أعقب ذلك من عصيان واعتداء وكفر بآيات الله وانحراف ثقافي وسقوط أخلاقي وتاريخي، وهذه القراءة تمنح النص بعدًا تحليليًا عميقًا؛ إذ يفسر الهزيمة بوصفها نتيجة خلل في الوعي والثقافة قبل أن تكون نتيجة خلل مادي، بمعنى أن السقوط يبدأ حين تفقد الأمة بوصلة الهدي.
نقد ثقافة الاستحقاق وتمجيد الذات
من أكثر المحاور عمقًا في هذه الرؤية ، تفكيكه لثقافة الغرور الجماعي، فالشهيد القائد يحذر من أن تتحول النعم الإلهية إلى شعور بالجدارة الذاتية، كما وقع في التجربة التاريخية لبني إسرائيل حين ترسخ لديهم إحساس بأنهم أهل امتياز دائم، وهنا يرسخ قاعدة إيمانية وفكرية شديدة التأثير، كل ما عند الإنسان هو فضل من الله، لا حق مكتسب على الله، فالهداية، والمكانة، والتمكين، والنجاح، كلها نعم ينبغي أن تُقرأ في إطار الشكر لا التفاخر، ولهذا يستدعي المعنى القرآني في قول سليمان عليه السلام: {هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي}، بوصفه النموذج الصحيح في فهم النعمة.
كلما عظمت النعمة عظم الله في النفس
تبلغ الرؤية ذروتها الفكرية في هذه القاعدة،
كلما عظمت النعم يعظم الله عندك، لا أن تعظم أنت أمام نفسك، وهنا تتجلى البصيرة التربوية العميقة في رؤية الشهيد القائد؛ إذ يجعل من النعمة وسيلة لتعميق الصلة بالله، لا وسيلة لصناعة تضخم الذات، فحين تعظم النفس، يبدأ الانحراف، وحين يعظم الله في القلب، يبدأ الثبات، وهذه الرؤية تمثل حجر الأساس في بناء الإنسان المؤمن الذي يتحرك بوعي ومسؤولية.
رسالة للأمة .. النهوض يبدأ من الوعي
في سياق الواقع المعاصر، تكتسب هذه الرؤية بعدًا تعبويًا مباشرًا، فالرسالة الجوهرية هنا أن الأمة لا يمكن أن تواجه الأخطار ولا أن تصمد أمام مشاريع الاستهداف إلا إذا أخذت القرآن بقوة في الوعي وفي الموقف وفي السلوك، وفي الحركة، وفي الثبات، وهذا ما يجعل النص ليس مجرد تفسير، بل بيانًا نهضويًا لتأسيس أمة واعية، قوية، متحركة، لا تنخدع بالنعم ولا تستسلم للضعف.