كربلاء الكون: ثورة الموقف التي حررت الحقيقة وتتجسد في يمن الصمود والإسناد

البيضاء نت | تقرير خاص 

في زمنٍ ران فيه الصمت المطبق على ضمير الأمة، وتحولت فيه الفضيلة والرذيلة إلى مفاهيم مشوهة تُصاغ خلف كواليس الهيمنة الأموية، واجه العالم الإسلامي أخطر منعطفات تزييف وعيه الحضاري، في تلك اللحظة التاريخية الفارقة، حيث استُعمرت العقول وحوصرت المعاني، لم يكن خروج الإمام الحسين بن علي (عليه السلام) وثلة من أهل بيته وأصحابه مجرد حركة عسكرية محدودة أو مواجهة عابرة على سلطة سياسية، بل كان ثورة وجودية كبرى استهدفت إزاحة الستار عن الانحطاط الفكري والأخلاقي لذك العصر، وتحرير الحقيقة من أسر الرواية الرسمية التي صاغتها سلطة السيف والمال والدعاية المضللة.

اليوم، مع تصاعد حدة الصراعات الاستعمارية المعاصرة، تتجاوز ذكرى عاشوراء حدود الجغرافيا الضيقة والسياقات الطائفية المحصورة، لتغدو نموذجاً عالمياً متجدداً للشرف، ولغةً مشتركة تتردد أصداؤها في وجدان الأحرار والباحثين عن الانعتاق عبر التاريخ والعالم، إن التأمل في هذه النهضة وإحياء ذكرى هذا المصاب الجلل ليس مجرد شعائر طقسية أو بكائية معزولة عن الواقع، بل هو ضرورة هوياتية، ورسالة حضارية مستمرة تضع على عاتق حامليها مسؤولية جسيمة تجاه الأجيال كافة لحمايتها من التدجين والقبول بالاستعباد.

أولاً: الرؤية الحسينية في الفكر القيادي لـ “المسيرة القرآنية”

في القراءة المعاصرة والتحليلية لثورة كربلاء، قدم كل من الشهيد القائد السيد حسين بدر الدين الحوثي، وقائد الثورة السيد عبد الملك بدر الدين الحوثي، تأصيلاً فكرياً وعملياً عميقاً. لم يتعاملا مع فاجعة عاشوراء كحدث تاريخي يبعث على الحزن الفكري والوجداني الفردي فحسب، بل كمنطلق إستراتيجي لتقييم واقع الأمة المعاصر وربطه بمواجهة قوى الاستكبار العالمي.

  1. الوعي وتفكيك جذور الانحراف عند السيد حسين بدر الدين الحوثي

ركزت قراءة الشهيد القائد لذكرى عاشوراء على تشخيص الداء وتفكيك الأسباب العميقة التي أدت إلى فاجعة كربلاء. ولم يرَ في الحدث جريمة معزولة، بل اعتبرها نتاجاً تراكمياً لانحراف مبكر في مسار الأمة بدأ بتغييب قيم الحق والعدالة، وتسييد ثقافة الخنوع والسكوت أمام الظلم والمنكر.

  • مواجهة التضليل: ركز السيد حسين على أن الأمة التي استطاع النظام الأموي تدجينها حتى تقبل بضرب الكعبة واستباحة المدينة المنورة وقتل ابن بنت نبيها، هي أمة ضُرب وعيها في الصميم.

  • إسقاط “اليزيديين المعاصرين”: شدد على أن إحياء عاشوراء يجب أن يكون محطة واعية لكشف أدوات الطغيان المعاصر، وإسقاط محاولات التطبيع والتركيع التي تمارسها الولايات المتحدة وإسرائيل وحلفاؤهم في المنطقة ضد الشعوب المستضعفة.

  1. الامتداد والموقف العملي عند السيد عبد الملك بدر الدين الحوثي

من جانبه، ينطلق السيد عبد الملك بدر الدين الحوثي في خطاباته السنوية المكرسة لعاشوراء من قاعدة أن كربلاء مدرسة حية لصناعة الموقف، وتحديد بوصلة الولاء والعداء في مواجهة التحديات الراهنة. تكتسب قراءته أبعاداً عملية مباشرة تتجاوز الإطار النظري:

  • الطاقة الثورية المتجددة: تتحول عاشوراء في خطاباته من مأساة حزينة إلى طاقة دافعة ووقود قتالي ونفسي لمواجهة التحديات السياسية والعسكرية.

  • الارتباط بالهوية الإيمانية: يشدد باستمرار على أن الموقف الحسيني المتمثل في شعار “هيهات منا الذلة” ليس خياراً سياسياً تكتيكياً بل هو ركيزة أساسية للهوية الإيمانية، يفرض على الأمة رفض الدنية، وتحمل المسؤولية في نصرة المستضعفين ومقاومة مشاريع التفتيت الصهيو-أمريكية.

ثانياً: تجسيد المشهد: اليمانيون على خطى “هيهات منا الذلة”

على مدى سنوات الصراع الطويلة، لم يعد إحياء عاشوراء في اليمن مجرد مناسبة لإلقاء الخطب، بل تحول إلى مظاهرة شعبية وعسكرية وسياسية عارمة تجسد قيم الثورة الحسينية بصورة مشهودة في الواقع الميداني.

أبعاد التجسيد اليمني لذكرى عاشوراء

المظاهر والتطبيقات العملية في الواقع المعاش

الترابط المصيري بين كربلاء واليمن

يقارن اليمنيون بين الحصار والعدوان والمجازر التي تعرضوا لها على مدار سنوات، وبين حصار ومأساة كربلاء، هذا الرابط النفسي جعل من الصمود الشعبي والعسكري امتداداً طبيعياً للتضحية الحسينية في وجه الغطرسة.

المسيرات المليونية والحشد الشعبي

تشهد العاصمة صنعاء والمحافظات اليمنية مسيرات جماهيرية كبرى حاشدة وغير مسبوقة تحت شعارات تعزز قيم الحرية والسيادة. هذه الحشود تمثل استفتاءً شعبياً دورياً على التمسك بخيار المقاومة وعدم الاستسلام.

الموقف الإسنادي الإستراتيجي (غزة وفلسطين)

يتجلى التجسيد العملي الأبرز للمسؤولية الحسينية اليوم في الموقف اليمني العسكري والشعبي الشجاع لإسناد قطاع غزة وفلسطين ضد حرب الإبادة الصهيونية. يعتبر اليمانيون أن معركة فلسطين هي “كربلاء العصر” الحالية التي لا تحتمل الحياد أو الصمت، وهو ما ترجمته العمليات العسكرية في البحار واستهداف عمق الكيان.

 

ثالثاً: الرسالة الحضارية والمسؤولية تجاه الأجيال

إن التحليل لواقع المشهد العالمي اليوم يثبت أن ثورة الإمام الحسين (عليه السلام) لم تكن تخص طائفة أو مرحلة زمنية بعينها، بل أسست لمنهجية كونية في التحرر واسترداد الكرامة الإنسانية.

لقد تحول اليمن، من خلال هذا الاندماج الفكري القيادي والالتفاف الشعبي العارم، إلى ساحة حية تتجسد فيها الحكمة الحسينية بأبهى صورها؛ مبرهناً للعالم أجمع على أن دماء شهداء كربلاء ما زالت تغلي في عروق الأحرار، لتصنع من جديد فصولاً من العزة والحرية والسيادة الكاملة في وجه كل قوى الاستعمار والظلم والعبث الدولي، إنها الهوية المستمسكة بالحق، والحكمة القارئة للواقع، والمسؤولية التي لا تتنصل عن واجب النصرة للمظلومين أينما كانوا.