اليمن من زمن المظلومية إلى عصر الردع: الحصار بالحصار والخيار للميدان

البيضاء نت | تقرير خاص 

على وقع المعاناة الإنسانية المتفاقمة التي فرضها العدوان السعودي وحصاره الغاشم على مدى أعوام طويلة، يقف الشعب اليمني اليوم على مفترق طرق تاريخي، محولاً جرحه النازف ومظلوميته الكبرى إلى طاقة ردع وعمليات عسكرية استراتيجية تعيد صياغة قواعد الاشتباك الإقليمي. فبين إصرار التحالف بقيادة الرياض على مواصلة الحصار الشامل ومحاولات الالتفاف على حقوق الشعب اليمني الأساسية، ترتفع أصوات المؤسسات الرسمية والقيادات الوطنية متسقة مع نبض الشارع، لترسم بوضوح معالم مرحلة جديدة شعارها الأبرز: “الحصار بالحصار، والتصعيد بالتصعيد”.

أولاً: جذور المظلومية.. إنسانية معطلة واقتصاد مدمّر

تتواصل فصول المأساة الإنسانية في اليمن جراء استمرار العدوان والحصار المطبق براً وبحراً وجواً، والذي طال لقمة عيش المواطن ودواءه وسبل عيشه، من خلال إغلاق الموانئ والمطارات الحيوية، وتعطيل سلاسل الإمداد، ونهب الثروات السيادية من النفط والغاز وحرمان موظفي الدولة من مرتباتهم.

هذه السياسات المنهجية التي تمارسها قوى العدوان استهدفت كسر إرادة الشعب اليمني والنيل من صموده. وفي هذا السياق، أكد الدكتور أحمد الشامي، وكيل وزارة الإعلام لقطاع السياسات والمحتوى، في تصريحات رسمية، أن محاولات الاستكثار على الشعب اليمني كسر الحصار وإنهاء معاناته تكشف عن “معايير مزدوجة لا يمكن القبول بها”، مشيراً إلى تناقضات النظام السعودي الذي يمعن في ظلم الشعب اليمني متجاهلاً الأبواق الإنسانية، ومحذراً من غايات تحالفات تتغاضى عن المآسي الكبرى.

 

ثانياً: التفويض الشعبي والتحام القيادة بالقاعدة

لم تكن القرارات العسكرية الأخيرة بمعزل عن الإرادة الشعبية العارمة؛ فقد شهدت العاصمة صنعاء وسائر المحافظات مسيرات مليونية حاشدة تحت شعار “الحصار بالحصار والتصعيد بالتصعيد”، جسدت أعلى صور التلاحم والوعي الجمعي.

وجدد البيان الصادر عن تلك الملايين تفويضها المطلق لقائد حركة أنصار الله، السيد عبد الملك بدر الدين الحوثي، لاتخاذ كافة القرارات المناسبة لرفع الظلم، واستعادة الثروات المسلحة، وحماية السيادة الوطنية، هذا الإجماع الشعبي شكّل غطاءً سياسياً وميدانياً لا غنى عنه لترجمة الصبر الاستراتيجي إلى أفعال ملموسة على الأرض، مؤكداً أن الشعب اليمني بات موحداً خلف خيار المواجهة مهما بلغت التضحيات.

 

ثالثاً: القوات المسلحة اليمنية وترجمة “المظلومية” إلى عمليات ردع

استجابةً للنداء الشعبي ووفاءً بالعهد لدماء الشهداء ومعاناة الجرحى والمحاصرين، أصدرت القوات المسلحة اليمنية بيانات حاسمة أعلنت فيها التحول من موقع الصبر والدفاع إلى فرض معادلات ميدانية جديدة، أبرزها فرض حظر الملاحة البحرية وإدخال الشرايين الاقتصادية للعدو تحت دائرة الاستهداف.

وفي بياناتها الرسمية، شددت القوات المسلحة بالقول:

“لا يمكن لشعبنا أن يعاني من الحصار الظالم ويُعتدى عليه دون أن يكون له موقف.. لن نألو جهداً في إنهاء الحصار عنه واسترداد كل حقوقه المنهوبة مهما كانت النتائج والتداعيات”.

هذا التطور النوعي في العمليات العسكرية يربط ربطاً مباشراً بين العمليات الاستراتيجية للقوات المسلحة وبين رفع الحصار؛ فالضربات الموجهة للمنشآت والمصالح الحساسة للعدو لم تعد مجرد ردود فعل آنية، بل أضحت أداة ضغط فاعلة لإجبار الرياض على الكف عن سياسة المماطلة والالتفاف، وإلزامها بدفع استحقاقات السلام العادل، وفي مقدمتها صرف المرتبات وفتح الموانئ والمطارات بشكل كامل دون قيود.

 

رابعاً: الأفق السياسي والميداني.. الرياض بين خيارين

تؤكد المواقف الرسمية المتعاقبة من صنعاء أن الكرة الآن تقع بالكامل في ملعب النظام السعودي؛ فإما الاستجابة الجادة لمطالب الشعب اليمني المحقة والعادلة والانخراط بجدية في مسار إنهاء العدوان والحصار، وإما تحمل التبعات الكارثية لتفعيل معادلة “الحصار بالحصار والتصعيد بالتصعيد” التي تملك القوات المسلحة اليمنية القدرة الكاملة على فرضها وتوسيع مداها جغرافياً وعملياتياً.

خاتمة:

خلاصة القول، إن انتقال اليمن من مرحلة احتساب المظلومية إلى فضاء الردع الميداني يثبت بما لا يدع مجالاً للشك أن لغة الاستخفاف بالحقوق الإنسانية لم تعد تجدي نفعاً، لقد أثبت الشعب اليمني وقواته المسلحة عبر مسار ملحمي متواصل أن اتخاذ القرار الحاسم بانتزاع الحرية وكسر القيود هو السبيل الوحيد لفرض السلام الحقيقي، مؤكدين أن زمن الاستئثار بالقرار اليمني ووخز الحصار أحادي الجانب قد ولى إلى غير رجعة، وأن الميدان اليوم هو الفيصل والترجمان الأمين لإرادة أمة لا توكس ولا تلين.