صُنّاع الزّيف: حين يرتدي العميلُ ثوبَ الواعِظ

البيضاء نت | مقالات 

بقلم / شاهر أحمد عمير 

تَمُرُّ الأوطان في منعطفاتها التاريخية بأوقات عصيبة، لا تكمن خطورتها في شدة الأعداء الواضحين في جبهات القتال، وإنما في نمطٍ ممسوخ من البشر يعيشُ بين جوانح المجتمع؛ يقتات على جراحه، ويتاجر بآلامه، مرتديًا قناع الناصح الأمين والغَيُور على مصلحة البلاد والعباد، بينما قلبه ينبض بالخيانة، وجيبه ممتلئ بأموال الارتهان.

إن “المرتزِق والمطبِّع” الذي يتسلَّل اليوم عبرَ مِنصات الإعلام ومواقع التواصل، مادحًا “السلام” المزعوم، ومسوقًا للانبطاح تحت لافتة “الواقعية والسياسية”، ليس سوى أدَاة هدم جرى تصنيعها بعناية في غرف الاستخبارات المعادية، ويمثل ظاهرة “النفاق المركب”؛ فهو فاسد في سلوكه، خائن لبلده، ومع ذلك يملك الجرأة الأخلاقية ليعتلي المنابر ويُنظر للشعب في العفة والنزاهة والوطنية.

إنَّ ما نراهُ اليومَ من استخفاف بالقيمِ الإنسانيةِ والمقدسات تحتَ غطاءِ “حريةِ التعبيرِ” الزائفة، ما هو إلا إفلاسٌ حضاريٌّ يعكس عمالة هؤلاء المرتزِقة الذين يبرّرون للطغاة قبحهم وتطاولهم.

ومؤسفٌ أن تواجهَ الأُمَّــة هذهِ التحدياتِ وهي مثقلةٌ بجراحِها الداخلية، إلا أنَّ هذا لا يورثُنا إلا عزمًا على استعادة عناصرِ قوتِنا؛ قوةِ الوعيِ والارتباط بالمبادئ.

وفي قراءة متعمقة لأُسلُـوب هذا الصنف، نجد أنه يعتمد على استراتيجية الخداع النفسي؛ حَيثُ يرفع صوته بالشكوى من الفساد والانهيار، وهو في الحقيقة أحد أهم ركائز هذا الفساد، ومستفيد رئيسي من استمرار الأزمات، فيبكي على معيشة المواطن تباكيًا مصطنعًا، وفي ذات الوقت، يبارك الاتّفاقيات السرية والعلنية التي تصادر قرار البلد وثرواته لصالح القوى الخارجية.

وتكمن خطورة هذا الخطاب في قدرته على تزييف الوعي العام، ومحاولة تحويل “العمالة” إلى وجهة نظر، و”التطبيع” إلى مرونة سياسية، و”الارتزاق” إلى شطارة ذكية، فهو يدرك في قرارة نفسه حجم السقوط الذي يعيشه، لذلك يحاول التغطية على سواد قلبه وعمالته بارتداء ثوب “الواعظ الطاهر” الذي لا يرى في المجتمع طاهرًا سواه.

وإذا ما نظرنا للمشهد من زاوية أوسع، نجد أن ميزان الكرامة ومفهوم الولاء والبراء في أمتنا الإسلامية له محدّدات إلهية واضحة لا تقبل التمييع؛ فنحن كأمة مسلمة يجب أن نكون قساة على الطغاة والكافرين وعونًا للمستضعفين والمسلمين، تجسيدًا لقول الحق سبحانه وتعالى: {أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ}، وكما قال الشاعر في وجدان الأُمَّــة:

نَحْنُ عَلَى الطُّغَاةِ قَبْضَةٌ حَدِيدِيَّةْ

وَنَحْنُ عَوْنٌ لِلْأبرياء، وَلِلْأعداء أَذِيَّةْ

لكن الواقع المشهود اليوم يعكس انتكاسة أخلاقية كبرى، حَيثُ نشاهد من دول إسلامية وعربية عونًا للظالمين كأمريكا وكيان الاحتلال ضد المستضعفين والمقاومة الفلسطينية واللبنانية.

إن هذه الخيانة والارتزاق ليست وليدة اليوم، فقد تجسدت سابقًا في أبشع صورها من خلال ما يسمى “التحالف العربي” الذي شن عدوانه وظلمه على الشعب اليمني لسنوات، محاولًا تركيعه ونهب ثرواته بمباركة من هؤلاء المرتزِقة والمطبعين الذين باعوا دينهم وعروبتهم لصالح أجندات الطغيان ومشاريع الاستعمار الحديث.

فليعلمْ “ترامب” وأسلافُه ومن سار في ركابهم من الخونة والمطبعين، أنَّ المسمارَ الذي يدقونهُ في نعشِ مصداقيتِهم الهشةِ بهذا التطاول الأرعن والإساءة الوقحة لأقدس بقاع الأرض، مكة المكرمة ووصفها بوصف حاقد، لن يزيدهُم إلا عزلةً، وهو ما لم يكن ليحدث لولا حالة الخنوع المخزية والسكوت المعيب من قِبل الأنظمة والدول العربية والإسلامية التي آثرت الصمت والمداهنة السياسية لحماية عروشها، فبئس الخنوع لترامب وبئس السكوت عن إهانة أقدس العبادات.

لكن التاريخ يُعلمنا أن وعي الشعوب، وخَاصَّة الشعب اليمني الذي خَبِر المؤامرات وعجمت عوده الأيّام، لا يمكن تزييفه بكلمات منمقة أَو خطابات رنانة، فالأرض لا تقبل النبت الخبيث، والوطنية ليست رداءً يُلبس في النهار ويُخلع في ليل العمالة، إنها عقيدة وموقف وثبات.

واليوم، يثبت الشعب اليمني وقيادته الحكيمة أنهم على الأعداء كالقبضة الحديدية، وعونٌ للمستضعفين والأبرياء، وللأعداء أذية، وضربتنا عليهم حيدرية حاسمة لا تخطئ هدفها.

وإن هذا “الناصح المغشوش” سيظل مُجَـرّدَ ورقة مؤقتة في أيدي مشغليه، يُلقى بها في سلة المفارقات والمهملات فور انتهاء صلاحيتها، وسيبقى الوطن عصيًّا على الانكسار، تشرق شمسه لتكشف عورات أُولئك الذين ظنوا أن ثوب العفاف المستعار يمكن أن يغطي سوءة الخيانة والارتزاق والسكوت عن إهانة المقدسات.