بين مليارات “بورغنشتوك” ورصاص النبطية: طهران تفرض “الآلية الخماسية”، والمقاومة ترفع الكرت الأحمر بوجه نتنياهو 

الثلاثاء 23 حزيران/يونيو 2026 (اليوم الـ 116 للحرب والـ 6 لمذكرة التفاهم)

البيضاء نت | تقرير طلال نخلة 

المشهد الاستراتيجي العام: حياكة خماسية تعيد صياغة أمن الإقليم وتُقزّم هوامش تل أبيب
يدخل الصراع الإقليمي الكبير منعطفاً مفصلياً، تبدو فيه ملامح “النصر الكامل” لطهران ومحورها أكثر تجسداً في الميزان السياسي والعسكري الدولي. فبينما تقود الفرق التقنية محادثات شائكة ومعقدة لرسم خطوط الخاتمة النهائية خلال مهلة الـ 60 يوماً المشروطة، اهتزت أركان المنظومة الصهيونية جراء ولادة الآلية الأمنية الخماسية الجديدة لمنع الصدام (إيران، الولايات المتحدة، قطر، باكستان، لبنان)، والتي ثبتت نفوذ طهران الإقليمي كلاعب رئيسي في هندسة أمن لبنان، عازلةً ومهمشةً الكيان الإسرائيلي بالكامل.
وفي دلالة على الإذعان لموازين القوى الجديدة، هبطت العقود الآجلة لخام برنت بنسبة 1% مستقرة عند 77.04 دولار للبرميل، بالتوازي مع تراجع مؤشرات أسواق الأسهم الأمريكية (ناسداك 1.9% وستاندرد آند بورز 1%)، لتعبر 36 سفينة تجارية مضيق هرمز تحت العيون الراصدة لبحرية حرس الثورة الإسلامية، في أعلى معدل حركة يشهده المضيق منذ أول آذار/مارس الماضي.

أولاً: مسار بورغنشتوك وتقاطعات مسقط.. المليارات الـ 12 وتطويع التهديدات

يسير قطار التسوية بخطى تقنية مدروسة تشترط فيها طهران “التنفيذ العملي الدقيق خطوة بخطوة” (المادة 13)، محولةً صراخ ترامب الانتخابي إلى تنازلات مادية:

معادلة بزشكيان والمفعول الفوري للـ 12 مليار: حسم الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان الموقف التنفيذي مؤكداً: “إن التقدم في مسار المحادثات سيقاس حصراً من خلال الالتزام بالتعهدات المتفق عليها وتنفيذها بدقة”، مشدداً على أن نجاح المذكرة سيكبح جماح المعتدين. وترجمةً لذلك، أعلن غريب آبادي (رئيس الوفد التقني) عن الدخول الفوري لآلية الإفراج عن 12 مليار دولار من الأصول المجمدة حيز التنفيذ (على دفعتين بقيمة 6 مليارات لكل منهما).

ترامب يسوّق المخارج لمزارعيه: في محاولة لامتصاص غضب اللوبي الصهيوني ومنتقديه في واشنطن، سارع ترامب للإعلان عبر “فوكس نيوز” أن الأموال المفرج عنها ستوضع في حساب ضمان (Escrow) لشراء الذرة والقمح وفول الصويا من “المزارعين الأمريكيين الرائعين”، معلناً خضوعه لشرط طهران: “المحادثات تسير على ما يرام.. لقد وافقتُ على رفع الحصار البحري بناءً على تنازلات إيران بقبول أعلى مستوى من التفتيش النووي”.

جبهة عمان السيادية: بالتوازي مع مفاوضات سويسرا، احتضنت مسقط لقاءً رفيعاً جمع السلطان هيثم بن طارق بالوفد الإيراني؛ حيث أكد الطرفان في بيان رسمي لـ”وكالة أنباء عمان” أن أي ترتيبات مستقبلية لإدارة مضيق هرمز يجب أن تحترم السيادة الكاملة للدولتين المطلتين (عمان وإيران) ووفق فريق عمل مشترك، في وقت أكد فيه مصدر عسكري إيراني لـ”فارس” أن بحرية الحرس الثوري تفرض قيوداً صارمة وتسمح لعدد محدود فقط من السفن بالعبور يومياً عبر المسارات الثانوية.

ثانياً: هستيريا تل أبيب.. “كارثة استراتيجية” ونتنياهو يرتطم بجدار التهميش

أحدثت آلية “منع الصدام” الجديدة زلزالاً تكتونياً داخل أروقة القرار الكابينيتي في تل أبيب، وسط شعور خانق بالخديعة والتخلي:

شرعنة النفوذ الإيراني في لبنان: كشف موقع “أكسيوس” الأمريكي أن رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو يعيش حالة “هستيريا مطلقة”؛ حيث تخشى حكومته أن تكون مذكرة ترامب قد شرعنت النفوذ الإيراني في لبنان وقيدت حرية حركة جيشها. فالآلية الجديدة تستثني إسرائيل وتمنح إيران مقعداً رسمياً، مقلصةً ما يُسمّى “حق إسرائيل في التدخل” من “التهديدات الناشئة” إلى “التهديدات الوشيكة” فقط، مع إلزام واشنطن بالرد على أي ضربات تخرق الهدنة والضغط لسحب القوات من الجنوب.

اعترافات مريرة بالانكسار: نقلت “فايننشال تايمز” عن مسؤول إسرائيلي سابق قوله: “اتفاق ترامب مع إيران كارثة استراتيجية يصعب وصف حجمها، أثارت غضباً عارماً ووضعت بيبي في أضعف موقف سياسي في حياته”. وأكد المحلل العسكري عاموس هارئيل في “هآرتس” أن نتنياهو وكاتس يكذبون ويلقون الرمل في عيون الجمهور بادعاء “حرية الحركة”، والحقيقة أن الإدارة الأمريكية فرضت وقف النار فرضاً، والجيش بدأ قسراً بتقليص قواته جنوباً وتخفيف إجراءات الجبهة الداخلية؛ وهو ما أيده نفتالي بينيت قائلاً: “أيدي جنودنا في لبنان مقيدة كلياً”.

بن غفير يلوح بالانتحار العسكري: خرج المتطرف إيتمار بن غفير بهستيريا علنية مهاجماً السذاجة الأمريكية: “إسرائيل ليست مجرد نجمة أخرى على العلم الأمريكي.. وسنضطر عاجلاً أم آجلاً لمواجهة إيران بمفردنا ضد خطرها النووي”. بينما حاول سموتريتش التمسك بوهم البقاء في قلعة الشقيف حتى تفكيك الحزب.

ثالثاً: خرق النبطية الفوقا الغادر.. والمقاومة ترفع الكرت الأحمر

حاول جيش الاحتلال الهرب من قيود النار الأمريكية بالعودة إلى سياسة “الحركشة” القاتلة وقضم الأراضي التي اعتمدها عقب تفاهم 2024، فجاءه التحذير الصارم:

جريمة “حي الدير” برصاص الدمدم: عند الساعة 11:30 صباحاً، أقدمت قوات الاحتلال المتمركزة لجهة أرنون على إطلاق نيران رشاشة كثيفة بالرصاص المتفجر (الدمدم) المحظور دولياً باتجاه عمال بلديين ومدنيين كانوا يفتحون الطرقات وينتشلون جثامين الشهداء في حي الدير ببلدة النبطية الفوقا. وأكد بيان البلدية والدفاع المدني للجزيرة ارتقاء شهيدين مدنيين (أحدهما موظف بلدي) وإصابة آخرين بجروح بليغة. كما سجل مراسل المنار خرقاً آخر بإطلاق النار على مشيعين في جبانة بلدة حداثا بمواكبة الجيش اللبناني.

بيان التحذير الفاضح واليد على الزناد: سارعت المقاومة الإسلامية لإصدار بيان عسكري حاسم، دحضت فيه ادعاءات إذاعة جيش الاحتلال التي زعمت كذباً استهداف مسلحين قرب علي الطاهر. وحذّرت المقاومة بلهجة شديدة من أن ما أقدم عليه العدو هو “انتهاك فاضح لوقف إطلاق النار.. والمقاومة التي التزمت بالهدنة حتى الآن تُحذر من أن يدها ستبقى على الزناد”. وأكد خبراء عسكريون أن هذا البيان هو الإنذار الناري الأخير؛ ومفاده أن المقاومة سترد بقسوة وبشكل مباشر على أي خرق متكرر لحماية المدنيين.

شبح المسيرات يلاحق النخبة: نقلت “يديعوت أحرونوت” عن الجندي (أ) من الفرقة 98 مشاعر العجز المرعبة: *”هذه الجولة في لبنان أخشاها أكثر من أي وقت.. فجأة أبلغ بوجود مسيرات تحلق فوقنا فأنزل من الهامر لأدعو في الأدغال ألا تصيبني.. إنه أشد شعور بالعجز في حياتي والقادة يماطلوننا للمظهر فقط”. وروت الملازمة “ش” قائدة الصيانة في غفعاتي كارثة انفجار مسيرة مفخخة مزقت وجهها بشظايا ستعيش معها مدى الحياة داخل ناقلة جند “نامير” عجزوا عن إغلاق بابها في قلب الجنوب.

رابعاً: الفرز الداخلي ومحاولات “التفخيخ الإعلامي”

أضاءت الأوساط المتابعة على محاولات خبيثة تقودها بعض القنوات المحلية بالتساوق مع طروحات إقليمية، تهدف لتكبيل حق المقاومة في الرد عبر الترويج لمنع الرد على الاعتداءات الصهيونية واللجوء بدلاً من ذلك إلى شكاوى مجلس الأمن الميتة (علماً أن السلطة لم تقدم شكوى واحدة منذ 2023).
وجاء الموقف الحاسم للشيخ نعيم قاسم والنائب حسن فضل الله ليسقط هذه المناورات؛ مؤكدين أن السلاح باقٍ لحماية الوجود، وأن من يحمي بيروت والضاحية اليوم هي الدبلوماسية المستندة إلى الصواريخ الإيرانية وثبات الميدان في علي الطاهر، داعين السلطة “التي تنفذ أمر اليوم الأمريكي في واشنطن وتتباكى على حصرية السلاح في ذروة المجازر” إلى الكف عن طعن شعبها والاستفادة من أوراق القوة التي تفرضها طهران لحماية سيادة لبنان.

الخلاصة والقراءة الجيوسياسية لحركة الملاحة الجوية (رصد الـ Stratotanker)

تُثبت مجريات اليوم الـ 116 أن معادلة “كفرتبنيت-هرمز” باتت حقيقة بنيوية في عقيدة الأمن القومي الإقليمي. ورغم محاولات ألمانيا بلسان وزير دفاعها بوريس بيستوريوس إبداء الاستعداد لفتح المضيق بشرط “الموافقة الصريحة من إيران وعمان”، يظهر الواقع أن القيادة العسكرية الأمريكية والغربية تتحسب لسيناريو الانفجار الشامل في حال قرر نتنياهو الانتحار السياسي والتمرد على إملاءات ترامب الفنية.
مؤشر الميدان الجوي المريب:
سجلت أجهزة الرصد الملاحي ظاهرة استراتيجية بالغة الخطورة والريبة؛ حيث ارتفعت حركة طائرات التزويد بالوقود جواً الأمريكية العملاقة من طراز (BOEING KC-135R/T Stratotanker) بشكل مكثف وغير مسبوق في الأجواء الممتدة بين الكيان والخليج الفارسي؛ حيث رُصدت بالأمس 37 طائرة، واليوم وحتى فترة الظهيرة 32 طائرة.
هذا الاستنفار الجوي الأمريكي الهائل، بالتزامن مع إعلان ترامب عن مفاوضات لإعادة توجيه مصانع “جنرال موتورز” و”فورد” لإنتاج صواريخ باتريوت وتوماهاوك وتخزينها، يحمل تفسير وحيد:
استعداد استراتيجي أمريكي أوعز به لإعادة فرض الحصار بالقوة (كما هدد لفظياً) في حال نفذت طهران وبيروت وعيدها المشترك بالرد العسكري المباشر على خروقات النبطية الفوقا وإغلاق المضيق كلياً.
الأيام القادمة ستكون محكومة بوعي سواعد المقاومين في الثغور. وأي “حركشة” صهيونية إضافية ستعني دفن تفاهمات بورغنشتوك تحت ركام دبابات الاحتلال رغماً عن عنجهية البيت الأبيض.