فاتورة التعذيب الاقتصادي الممنهج وتداعياته المدمرة على التجارة والصناعة وسوق العمل في اليمن
حرب اقتصادية صامتة وتجريف ممنهج لبنية الحياة
البيضاء نت | تقرير خاص
أفرزت سنوات الصراع المستمر والحصار الشامل المفروضة على اليمن تداعيات كارثية وموجعة طالت مختلف مفاصل الحياة الاقتصادية والإنسانية، متمثلة في ممارسات وسياسات منسقة ومدروسة ترقى في مجملها إلى مستوى “التعذيب الاقتصادي الممنهج”. لم تقتصر تداعيات هذه الأزمة على الجبهات العسكرية فحسب، بل امتدت لتستهدف عصب الحياة اليومية للمواطن اليمني، حيث أدت القيود المشددة والممنهجة المفروضة على الموانئ، والمطارات، والمنافذ البرية إلى شلل واسع النطاق في حركة التجارة الخارجية والقطاع الإنتاجي والخدمي. وقد تحولت لقمة العيش ووظائف الأفراد إلى أدوات ضغط، مما ألقى بظلاله الثقيلة وبصورة مباشرة على معيشة ملايين المواطنين، دافعاً بمعدلات البطالة والفقر إلى مستويات غير مسبوقة، ووضع الاقتصاد الوطني على حافة الانهيار الشامل في ظل بيئة باتت طاردة للاستثمار ومهددة للأمن الغذائي والإنساني.
أولاً: أثر القيود على حركة التجارة الاستيرادية والتصديرية
باعتبار اليمن بلداً يعتمد بدرجة رئيسية وكبيرة على الاستيراد لتوفير احتياجاته الأساسية من الغذاء والدواء والسلع، فإن إجراءات تفتيش السفن وتعطيلها واحتجازها لفترات طويلة أحدثت شللاً واسعاً في حركة التجارة الخارجية. وتشير بيانات وزارة الاقتصاد إلى الأرقام والآثار التالية:
-
بلغت الخسائر المباشرة للتجارة الخارجية نحو 111.13 مليار دولار خلال الفترة (2015-2025).
-
تراجعت الصادرات الوطنية بما يقارب 80.44 مليار دولار مسجلة نسبة تراجع بلغت 19.56%.
-
انخفضت الواردات بما يقارب 21.72 مليار دولار بنسبة تراجع بلغت 27.62%.
-
بلغ متوسط خسائر التجارة الخارجية نحو 10.1 مليار دولار سنوياً.
-
تراجعت الحركة التجارية بشكل عام بنسبة تقارب 65% خلال سنوات الحرب والحصار.
-
أدى احتجاز السفن المترددة على الموانئ إلى ارتفاع حاد في تكاليف الشحن، والتأمين، والغرامات المالية، وهو ما انعكس بصورة مباشرة ومضاعفة على أسعار السلع الأساسية والمواد الخام ومدخلات الإنتاج.
ثانياً: الأضرار الفادحة التي لحقت بالمصانع والمنشآت الإنتاجية
تعرض القطاع الصناعي في اليمن لأضرار بالغة وواسعة النطاق نتيجة الاستهداف المباشر للمصانع والمنشآت الإنتاجية، بالإضافة إلى الحصار الذي تسبب في توقف تام لخطوط الإنتاج. وتشير البيانات الرسمية والميدانية إلى ما يلي:
-
بلغت خسائر القطاع الصناعي نحو 82.5 مليار دولار، بينما بلغت خسائر القطاع الخاص نحو 75 مليار دولار.
-
تعرض 470 مصنعاً ومنشأة صناعية للاستهداف المباشر، من بينها مصانع حيوية متخصصة في إنتاج الأكسجين والأدوية.
-
تم تدمير نحو 15 ألف منشأة غذائية تتنوع بين مصانع ومخازن ومتاجر رئيسية.
-
توقف نشاط أكثر من 44 ألف منشأة إنتاجية صغيرة ومتوسطة الحجم.
-
توقف أكثر من 1000 منشأة صناعية بصورة كاملة بسبب أزمة نقص الوقود والمشتقات النفطية.
-
تعرض مصنع للأدوية ومصنعان لإنتاج الأكسجين الطبي للتدمير الكلي، مما ألحق أضراراً بالغة ومباشرة على القطاع الصحي والدوائي في البلاد.
ثالثاً: تعطل دخول المواد الخام وقطع الغيار وانهيار الصناعة الوطنية
أدى تعطل عمليات دخول المواد الخام وقطع الغيار والمعدات الصناعية الحديثة إلى إضعاف القدرة الإنتاجية للمصانع الوطنية، بل وتوقف العديد منها عن العمل بشكل كامل ودائم. ومن أبرز الآثار المرصودة في هذا السياق:
-
منع دخول أكثر من 600 صنف من السلع الأساسية وقطع الغيار عبر ميناء الحديدة في بعض فترات الحصار.
-
بروز صعوبات بالغة ومعقدة في استيراد الآلات والمعدات وقطع الغيار الضرورية لاستمرار العملية الصناعية.
-
تعطل خطوط الإنتاج بصورة متكررة نتيجة النقص الحاد في توفر المواد الخام.
-
الارتفاع الهائل في تكاليف الإنتاج بسبب الزيادات الكبيرة في أسعار الوقود وأجور النقل والشحن.
-
تراجع وانخفاض القدرة التنافسية للمنتجات المحلية أمام السلع البديلة.
-
تراجع إنتاج العديد من القطاعات الحيوية مثل الصناعات الغذائية، والدوائية، والإنشائية.
-
توقف عدد كبير من المشاريع الصناعية الجديدة في مهدها بسبب تعذر استيراد المعدات والتجهيزات اللازمة.
-
أدى النقص المستمر في المشتقات النفطية إلى تعطيل تشغيل المصانع بصورة متكررة، وهو ما فاقم حجم خسائر القطاع الصناعي وأضعف بصورة واضحة مساهمته في الناتج المحلي الإجمالي.
رابعاً: الانعكاسات الكارثية على فرص العمل والاقتصاد المحلي
باعتبار القطاعين الصناعي والتجاري من أكثر القطاعات الاقتصادية استيعاباً لليد العاملة والتشغيل، فقد انعكس تضررهما المباشر بصورة قاسية على سوق العمل ومستوى معيشة المواطنين. ومن أبرز الآثار الاجتماعية والاقتصادية:
-
فقدان نحو 90 ألف فرصة عمل مباشرة في القطاع الصناعي وحده.
-
توقف أكثر من 44 ألف منشأة صغيرة ومتوسطة، مما أدى إلى فقدان آلاف الوظائف الإضافية المرتبطة بها.
-
تسريح ما يقارب 60% من العمال والموظفين في العديد من المنشآت الإنتاجية المتضررة.
-
ارتفاع معدلات البطالة إلى أكثر من 65% وفقاً للمؤشرات والإحصاءات الواردة في التقرير.
-
الانخفاض الحاد في مستويات الدخول الفردية وارتفاع معدلات الفقر بصورة غير مسبوقة.
-
تراجع ملحوظ في النشاط الاقتصادي المحلي نتيجة انخفاض الإنتاج، وتراجع الاستثمار، وضعف الاستهلاك العام.
-
انخفاض الإيرادات العامة (الضريبية والجمركية) بشكل كبير بسبب ركود النشاط التجاري.
-
اتساع رقعة الاعتماد على المساعدات الإنسانية الدولية في ظل تفكك وهشاشة النشاط الاقتصادي المحلي.