صراع الفتاوى والنصوص.. انقسام ديـني حاد حول “طوفان الأقصى” واستحقاقات الجهاد
البيضاء نت | تقرير خاص
مع استمرار تداعيات معركة «طوفان الأقصى» والتصعيد العسكري في المنطقة، يطفو على السطح سجال ديني وسياسي محتدم حول مفهوم “الجهاد” وضوابطه الشرعية، فقد أثارت المواقف والتصريحات الصادرة عن عدد من المؤسسات الدينية الرسمية في المنطقة، وفي مقدمتها دار الإفتاء المصرية، موجة واسعة من الانتقادات والتساؤلات في الأوساط الإسلامية والشعبية، وسط اتهامات بتقديم الحسابات السياسية على صريح النصوص القرآنية.
موقف اليمن: إسناد ميداني وربط القول بالعمل
في مقابل حالة التردد والمواقف الدبلوماسية للعديد من الدول، برز الموقف اليمني كأنموذج استثنائي وفريد في المنطقة؛ إذ أعلنت صنعاء إسنادها المباشر والعسكري الكامل لمعركة «طوفان الأقصى»، رابطةً بين الخطاب الديني والتطبيق الميداني.
ولم تكتفِ القوات والمؤسسات اليمنية بالبيانات والدعم الإعلامي، بل انتقلت إلى ممارسة “الجهاد المباشر” عبر إطلاق الصواريخ والطائرات المسيرة وحظر الملاحة البحرية المرتبطة بالاحتلال الإسرائيلي في البحرين الأحمر والعربي ومضيق باب المندب. ويستند هذا الموقف إلى رؤية إيمانية تعتبر الدفاع عن غزة والمقدسات الإسلامية واجباً دينياً وأخلاقياً يتقدم على كافة الحسابات السياسية والاقتصادية والمخاطر المباشرة.
جذور الخلاف: بين “فقه المقاومة” و”حسابات الدول“
في هذا السياق، بدأ التوتر الفكري يشتد عقب صدور مواقف وفتاوى رسمية اعتبرت بعض أشكال النفير العسكري خارج الأطر الرسمية بمثابة “تصرفات فوضوية ومتسرعة قد تؤدي إلى الإفساد في الأرض“. وهي الطروحات التي قوبلت بردود فعل غاضبة من المرجعيات والقيادات في اليمن، والتي صرحت بأن هذا الخطاب الصادر عن بعض العواصم يتماهى مع ضغوط خارجية ويسعى لتكبيل الأمة وتعطيل واجب النصرة.
واتهمت هذه المرجعيات الخطاب المؤسسي الرسمي بتغليب المداراة السياسية وتوفير غطاء ديني لسياسات التهدئة، مشددة على أن مرحلة مواجهة العدو لا تحتمل المحاذير أو الحسابات الضيقة.
صريح القرآن في مواجهة التأويل السياسي
فرض هذا السجال طرح تساؤلات جوهرية حول المناهج التي تعتمد عليها المؤسسات الإفتائية الكبرى: «كيف يتم التعاطي مع الآيات القرآنية القطعية التي تدعو إلى النفير والقتال لدفع الظلم؟»
واستشهد أصحاب هذا الطرح بسلسلة من الآيات المحكمة، منها:
-
قوله تعالى: {أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا ۚ وَإِنَّ اللهَ عَلَىٰ نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ}
-
وقوله سبحانه: {وَمَا لَكُمْ لَا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ}
-
وقوله عز وجل: {انفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللهِ}
ويرى المنتقدون أن أي فتوى تُعطل هذه النصوص أو تُكيفها للتهدئة في ظل استمرار العدوان والانتهاك للمقدسات، تُعد خروجاً عن المقاصد الشرعية وتخلياً عن نصرة المستضعفين.
موقف المؤسسات الرسمية: الضوابط والواقعية السياسية
في المقابل، تتمسك المؤسسات الدينية الرسمية (كالأزهر الشريف ودار الإفتاء) بطرحها القائم على أن ممارسة “الجهاد المسلح” تقتضي وجود قرار سياسي ومؤسسي منتظم تُقدره الدول وفق موازين القوى والمصالح العليا، لضمان عدم اندفاع الأمة نحو مواجهات غير متكافئة.
وتؤكد هذه المؤسسات على دعمها للحق الفلسطيني عبر الأطر الدبلوماسية، والإنسانية، والإعلامية، محذرة من إعلان النفير الفردي أو غير المنضبط بعيداً عن السلطات الشرعية لمؤسسات الدولة.
الخلاصة:
يُظهر هذا السجال عمق الفجوة المعرفية والسياسية داخل الساحة الإسلامية؛ بين «فقه الدولة» الذي يخضع للحسابات الميدانية والتحالفات الدولية، وبين «فقه المقاومة والإسناد» الذي جسده الموقف اليمني باعتبار النص القرآني تكليفاً مباشراً واجباً للنفاذ، وبين هذه الرؤى المتضاربة، تظل قضية غزة ومقدسات الأمة المحرك الأساسي لإعادة تعريف مفاهيم النفير والمسؤولية الجماعية في التاريخ المعاصر.